تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 38 ] وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 38 )
شرح
مِنَ الْمُحْسِنِينَتوسم عليه السلام فيهما خيرا وتوجها إلى قبول الحق فأراد أن يخرج آثر ذي أثير عما في عهدته من دعوة الخلق إلى الحق فمهد قبل الخوض في ذلك مقدمة تزيدهما علما بعظم شأنه وثقة بأمره ووقوفا على علو طبقته في بدائع العلوم توسلا بذلك إلى تحقيق ما يتوخاه وقد تخلص إليها من كلامهما فكأنه قال تأويل ما قصصتماه على في طرف التمام حيث رأيتما مثاله في المنام وإني أبين لكما كل جليل ودقيق من الأمور المستقبلة وإن لم يكن هناك مقدمة المنام حتى إن الطعام الموظف الذي يأتيكما كل يوم أبينه لكما قبل إتيانه ثم أخبرهما بأن علمه ذلك ليس من قبيل علوم الكهنة والعرافين بل هو فضل إلهي يؤتيه من يشاء ممن يصطفيه للنبوة فقال( ذلِكُما )أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات ومعنى البعد * في ذلك للإشارة إلى علو درجته وبعد منزلته( مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي )بالوحي والإلهام أي بعض منه أو من ذلك * الجنس الذي لا يحوم حول إدراكه العقول ولقد دلهما بذلك على أن له علوما جمة ما سمعاه قطعة من جملتها وشعبة من دوحتها ثم بين أن نيل تلك الكرامة بسبب اتباعه ملة آبائه الأنبياء العظام وامتناعه عن الشرك فقال( إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )وهو استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من قولهذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيوتعليلا له لا للتعليم الواقع صلة للموصول لتأديته إلى معنى أنه مما علمني ربى لهذا السبب دون غيره ولا لمضمون الجملة الخبرية لأن ما ذكر بصدد التعليل ليس بعلة لكون التأويل المذكور بعضا مما علمه ربه أو لكونه من جنسه بل لنفس تعليم ما علمه فكأنه قيل لما ذا علمك ربك تلك العلوم البديعة فقيل لأنى تركت ملة الكفرة أي دينهم الذي اجتمعوا عليه من الشرك وعبادة الأوثان والمراد بتركها الامتناع عنها رأسا كما يفصح عنه قولهما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍلا تركها بعد ملابستها وإنما عبر عنه بذلك لكونه أدخل بحسب الظاهر في اقتدائهما به عليه السلام والتعبير عن كفرهم باللّه تعالى بسلب الإيمان به للتنصيص على أن عبادتهم له تعالى مع عبادة الأوثان ليست بإيمان به تعالى كما هو زعمهم الباطل على ما مر في قوله تعالىإِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ( وَهُمْ بِالْآخِرَةِ )وما فيها من الجزاء( هُمْ كافِرُونَ )على الخصوص * دون غيرهم لإفراطهم في الكفر( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ )يعنى أنه إنما حاز هذه 38 الكمالات وفاز بتلك الكرامات بسبب أنه اتبع ملة آبائه الكرام ولم يتبع ملة قوم كفروا بالمبدأ والمعاد وإنما قاله عليه السلام ترغيبا لصاحبيه في الإيمان والتوحيد وتنفيرا لهما عما كانا عليه من الشرك والضلال وقدم ذكر تركه لملتهم على ذكر اتباعه لملة آبائه لأن التخلية متقدمة على التحلية( ما كانَ )أي ما صح وما * استقام فضلا عن الوقوع( لَنا )معاشر الأنبياء لقوة نفوسنا ووفور علومنا( أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ )أي شئ كان من ملك أو جنيّ أو إنسي فضلا عن الجماد البحت( ذلِكَ )أي التوحيد المدلول عليه بقوله ما كان * لنا أن نشرك باللّه من شئ( مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا )أي ناشئ من تأييده لنا بالنبوة وترشيحه إيانا لقيادة الأمة *