تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 16 إلى 17 ] وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 )
شرح
حالك هذا وحالك يومئذ لعلو شأنك وكبرياء سلطانك وبعد حالك عن أوهامهم وقيل لبعد العهد المبدل للهيئات المغير للأشكال والأول أدخل في التسلية روى أنهم حين دخلوا عليه ممتازين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيكم أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس ويجوز أن يتعلق وهم لا يشعرون بالإيحاء على معنى أنا آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشة التي أورثوه وهم لا يشعرون بذلك ويحسبون أنه مرهق ومستوحش لا أنيس له وقرئ لننبئنهم بالنون على أنه وعيد لهم فقوله تعالىوَهُمْ لا يَشْعُرُونَمتعلق بأَوْحَيْنالا غير( وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً )آخر النهار وقرئ 16 عشيا وهو تصغير عشى وعشى بالضم والقصر جمع أعشى أي عشوا من البكاء( يَبْكُونَ )متباكين روى أنه لما سمع يعقوب عليه السلام بكاءهم فزع وقال مالكم يا بنى وأين يوسف( قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ )أي متسابقين في العدو والرمي وقد يشترك الافتعال والتفاعل كالانتضال والتناضل ونظائرهما( وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا )أي ما نتمتع به من الثياب والأزواد وغيرهما( فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ )عقيب ذلك * من غير مضى زمان يعتاد فيه التفقد والتعهد وحيث لا يكاد يطرح المتاع عادة إلا في مقام يؤمن فيه الغوائل لم يعهد تركه عليه السلام عنده من باب الغفلة وترك الحفظ الملتزم لا سيما إذا لم يبرحوه ولم يغيبوا عنه فكأنهم قالوا إنا لم نقصر في محافظته ولم نغفل عن مراقبته بل تركناه في مأمننا ومجمعنا بمرأى منا لأن ميدان السباق لا يكون عادة إلا بحيث يتراءى غايتاه وما فارقناه إلا ساعة يسيرة بيننا وبينه مساقة قصيرة فكان ما كان( وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا )بمصدق لنا في هذه المقالة الدالة على عدم تقصير نافى أمره( وَلَوْ كُنَّا )عندك * وفي اعتقادك( صادِقِينَ )موصوفين بالصدق والثقة لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيئ الظن بنا * غير واثق بقولنا وكلمة لو في أمثال هذه المواقع لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفى على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية لما أن الشئ متى تحقق مع المنافى القوى فلأن يتحقق مع غيره أولى ولذلك لا يذكر معه شئ من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها الشاملة لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعددها وقد مر تفصيله في سورة البقرة عند قوله تعالىأَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَوفي سورة الأعراف عند قوله تعالىأَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ.