تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 94 إلى 95 ] وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ( 94 ) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ( 95 )
شرح
فيه وابذلوا جهدكم في مضارتى وإيقاع ما في نيتكم وإخراج ما في أمنيتكم من القوة إلى الفعل( إِنِّي عامِلٌ )على مكانتى حسبما يؤيدني اللّه ويوفقني بأنواع التأييد والتوفيق( سَوْفَ تَعْلَمُونَ )لما هددهم عليه * السلام بقوله اعملوا على مكانتكم إني عامل كان مظنة أن يسأل منهم سائل فيقول فما ذا يكون بعد ذلك فقيل سوف تعلمون( مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ )وصف العذاب بالإخزاء تعريضا بما أوعدوه عليه السلام * به من الرجم فإنه مع كونه عذابا فيه خزى ظاهر حيث لا يكون إلا بجناية عظيمة توجبه( وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ )* عطف علىمَنْ يَأْتِيهِلا على أنه قسيمه بل حيث أوعدوه بالرجم وكذبوه قيل سوف تعلمون من المعذب ومن الكاذب وفيه تعريض بكذبهم في ادعائهم القوة والقدرة على رجمه عليه السلام وفي نسبته إلى الضعف والهوان وفي ادعائهم الإبقاء عليه لرعاية جانب الرهط والاختلاف بين المعطوفين بالفعلية والاسمية لأن كذب الكاذب ليس بمرتقب كإتيان العذاب بل إنما المرتقب ظهور الكذب السابق المستمر ومن إما استفهامية معلقة للعلم عن العمل كأنه قيل سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه وأينا كاذب وإما موصولة أي سوف تعرفون الذي يأتيه عذاب والذي هو كاذب( وَارْتَقِبُوا )وانتظروا مآل ما أقول *( إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ )منتظر فعيل بمعنى الراقب كالصريم أو المراقب كالعشير أو المرتقب كالرفيع وفي زيادة * معكم إظهار منه عليه السلام لكمال الوثوق بأمره( وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا )أي عذابنا كما ينبئ عنه قوله تعالىسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِأو وقته فإن الارتقاب مؤذن بذلك( نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا )وهي الإيمان الذي وفقناهم له أو بمرحمة كائنة منا لهم وإنما ذكر بالواو كما في قصة عاد لما أنه لم يسبقه فيها ذكر وعد يجرى مجرى السبب المقتضى لدخول الفاء في معلوله كما في قصتي صالح ولوط فإنه قد سبق هنالك سابقة الوعد بقولهذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍوقولهإِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ( وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا )عدل إليه * عن الضمير تسجيلا عليهم بالظلم وإشعارا بأن ما أخذهم إنما أخذهم بسبب ظلمهم الذي فصل فيما سبق فنونه( الصَّيْحَةُ )قيل صاح بهم جبريل عليه السلام فهلكوا وفي سورة الأعراففَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ *وفي سورة * العنكبوتفَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُأي الزلزلة ولعلها من روادف الصيحة المستتبعة لتموج الهواء المفضى إليها كما مر فيما قبل( فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ )ميتين لازمين لأماكنهم لا براح لهم منها ولما لم يجعل متعلق * العلم في قوله تعالىسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌالخ نفس مجىء العذاب بل من يجيئه ذلك جعل مجيئه بعد ذلك أمرا مسلم الوقوع غنيا عن الإخبار به حيث جعل شرطا وجعل تنجية شعيب عليه السلام وإهلاك الكفرة جوابا له ومقصود الإفادة وإنما قدم تنجيته اهتماما بشأنها وإيذانا بسبق الرحمة التي هي مقتضى الربوبية على الغضب الذي يظهر أثره بموجب جرائرهم وجرائمهم( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا )أي لم يقيموا 95