تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
[ سورة هود ( 11 ) : آية 17 ] أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 17 )
شرح
اجتنوا ثمرتها ولم يكونوا يريدون بها شيئا آخر فلا جرم لم يكن لهم في الآخرة إلا النار وعذابها المخلد *( وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها )أي ظهر في الآخرة حبوط ما صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدى إلى الثواب لو كانت معمولة للآخرة أو حبط ما صنعوه في الدنيا من أعمال البر إذ شرط الاعتداد بها الإخلاص *( وَباطِلٌ )أي في نفسه( ما كانُوا يَعْمَلُونَ )في أثناء تحصيل المطالب الدنيوية ولأجل أن الأول من شأنه استتباع الثواب والأجر وأن عدمه لعدم مقارنته للإيمان والنية الصحيحة وأن الثاني ليس له جهة صالحة قط علق بالأول الحبوط المؤذن بسقوط أجره بصيغة الفعل المنبئ عن الحدوث وبالثاني البطلان المفصح عن كونه بحيث لا طائل تحته أصلا بالاسمية الدالة على كون ذلك وصفا لازما له ثابتا فيه وفي زيادة كان في الثاني دون الأول إيماء إلى أن صدور أعمال البر منهم وإن كان لغرض فاسد ليس في الاستمرار والدوام كصدور الأعمال التي هي من مقدمات مطالبهم الدنية وقرئ وبطل على الفعل أي ظهر بطلانه حيث علم هناك أن ذلك وما يستتعبه من الحظوظ الدنيوية مما لا طائل تحته أو انقطع أثره الدنيوي فبطل مطلقا وقرئ وباطلا ما كانوا يعملون على أن ما إبهامية أو في معنى المصدر كقوله ولا خارجا من في زور كلام وعن أنس رضى اللّه عنه أن المراد بقوله تعالىمَنْ كانَ يُرِيدُالخ اليهود والنصارى إن أعطوا سائلا أو وصلوا رحما عجل لهم جزاء ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن وقيل هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأسهم لهم في الغنائم وأنت خبير بأن ذلك إنما كان بعد الهجرة والسورة مكية وقيل هم أهل الرياء يقال للقراء منهم أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك وهكذا لغيره ممن يعمل أعمال البر لا لوجه اللّه تعالى فعلى هذا لا بد من تقييد قوله تعالىلَهُمْإِلَّا النَّارُبأن ليس لهم بسبب أعمالهم الريائية إلا ذلك والذي تقتضيه جزالة النظم الكريم أن المراد به مطلق الكفرة بحيث يندرج فيهم القادحون في القرآن العظيم اندراجا أوليا فإنه عزّ وعلا لما أمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين بأن يزدادوا علما ويقينا بأن القرآن منزل بعلم اللّه وبأن لا قدرة لغيره على شئ أصلا وهيجهم على الثبات على الإسلام والرسوخ فيه عند ظهور عجز الكفرة وما يدعون من دون اللّه عن المعارضة وتبين أنهم ليسوا على شئ أصلا اقتضى الحال أن يتعرض لبعض شؤونهم الموهمة لكونهم على شئ في الجملة من نيلهم الحظوظ العاجلة واستيلائهم على المطالب الدنيوية وبيان أن ذلك بمعزل عن الدلالة عليه ولقد بين ذلك أي بيان ثم أعيد الترغيب فيما ذكر من الإيمان بالقرآن والتوحيد والإسلام فقيل( أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ )أي برهان نير عظيم الشأن يدل على حقية ما رغب في الثبات عليه من الإسلام وهو القرآن وباعتباره أو بتأويل البرهان ذكر الضمير * الراجع إليها في قوله تعالى( وَيَتْلُوهُ )أي يتبعه( شاهِدٌ )يشهد بكونه من عند اللّه تعالى وهو الإعجاز في