[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 75 إلى 76 ]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 75 ) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ( 76 )
شرح
عند اجتماع المكذبين هو التكذيب الواقع بعد الدعوة حسبما يعرب عنه قوله تعالىوَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًاوإنما ذكر ما وقع قبلها بيانا لعراقتهم في الكفر والتكذيب وعلى التقديرين فالضمائر الثلاثة متوافقة في المرجع وقيل ضمير كذبوا راجع إلى قوم نوح عليه السلام والمعنى فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب بمثله قوم نوح ولا يخفى ما فيه من التعسف وقيل الباء للسببية أي بسبب تعودهم تكذيب الحق وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل ولا يخفى أن ذلك يؤدى إلى مخالفة الجمهور من جعل ما المصدرية من قبيل الأسماء كما هو رأى الأخفش وابن السراج ليرجع إليها الضمير وفي إرجاعه إلى الحق بادعاء كونه مركوزا في الأذهان ما لا يخفى من التعسف( كَذلِكَ )أي مثل ذلك الطبع المحكم( نَطْبَعُ )بنون العظمة * وقرئ بالياء على أن الضمير للّه سبحانه( عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ )المتجاوزين عن الحدود المعهودة في الكفر * والعناد المتجافين عن قبول الحق وسلوك طريق الرشاد وذلك بخذلانهم وتخليتهم وشأنهم لأنهما كهم في الغى والضلال وفي أمثال هذا دلالة على أن الأفعال واقعة بقدرة اللّه تعالى وكسب العبد( ثُمَّ بَعَثْنا )عطف على قوله تعالىثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْعطف قصة على قصة( مِنْ بَعْدِهِمْ )أي من بعد * أولئك الرسل عليهم السلام( مُوسى وَهارُونَ )خصت بعثتهما عليهما السلام بالذكر ولم يكتف باندراج * خبرهما فيما أشير إليه إشارة إجمالية من أخبار الرسل عليهم السلام مع أقوامهم وأوثر في ذلك ضرب تفصيل إيذانا بخطر شأن القصة وعظم وقعها كما في نبأ نوح عليه السلام( إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ )أي أشراف * قومه وتخصيصهم بالذكر لأصالتهم في إقامة المصالح والمهمات ومراجعة الكل إليهم في النوازل والملمات( بِآياتِنا )أي ملتبسين بها وهي الآيات المفصلات في الأعراف( فَاسْتَكْبَرُوا )الاستكبار ادعاء الكبر * من غير استحقاق والفاء فصيحة أي فأتياهم فبلغاهم الرسالة فاستكبروا عن اتباعهما وذلك قول اللعين لموسى عليه السلام ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين الخ( وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ )اعتراض مقرر * لمضمون ما قبله أي كانوا معتادين لارتكاب الذنوب العظام فإن الإجرام مؤذن بعظم الذنب ومنه الجرم أي الجثة فلذلك اجترءوا على ما اجترءوا عليه من الاستهانة برسالة اللّه تعالى وحمل الاستكبار على الامتناع عن قبول الآيات لا يساعده قوله عزّ وعلا( فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ )فإنه 76 صريح في أن المراد باستكبارهم ما وقع منهم قبل مجىء الحق الذي سموه سحرا أعنى العصا واليد البيضاء كما ينبئ عنه سياق النظم الكريم وذلك أول ما أظهره صلّى اللّه عليه وسلم من الآيات العظام والفاء فيه أيضا فصيحة معربة عما صرح به في مواضع أخر كأنه قيل قال موسىقَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْإلى قوله تعالىفَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَفلما جاءهم الحق من عندنا وعرفوه قالوا من فرط عتوهم