تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 40 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ( 40 )
شرح
أو ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة ونفى إتيان التأويل بكلمة لما الدالة على التوقع بعد نفى الإحاطة بعلمه بكلمة لم لتأكيد الذم وتشديد التشنيع فإن الشناعة في تكذيب الشئ قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش منها في تكذيبه قبل علمه مطلقا والمعنى أنه كان يجب عليهم أن يتوقفوا إلى زمان وقوع المتوقع فلم يفعلوا وأما أن المتوقع قد وقع بعدو أنهم استمروا عند ذلك أيضا على ما هم عليه أولا فلا تعرض له هاهنا والاستشهاد عليه بعدم انقطاع الذم أو ادعاء أن قولهم افتراه تكذيب بعد التدبر ناشئ من عدم التدبر فتدبر كيف لا وهم لم يقولوه بعد التحدي بل قبله وادعاء كونه مسبوقا بالتحدى الوارد في سورة البقرة يرده أنها مدنية وهذه مكية وإنما الذي يدل عليه ما سيتلى عليك من قوله تعالىوَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْالخ وقوله تعالى( كَذلِكَ )الخ وصف لحالهم المحكى وبيان لما يؤدى إليه من العقوبة أي مثل ذلك التكذيب * المبنى على بادي الرأي والمجازفة من غير تدبر وتأمل( كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )أي فعلوا التكذيب أو * كذبوا ما كذبوا من المعجزات التي ظهرت على أيدي أنبيائهم أو كذبوا أنبياءهم( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ )وهم الذين من قبلهم من المكذبين وإنما وضع المظهر موضع المضمر للإيذان بكون التكذيب ظلما أو بعليته لإصابة ما أصابهم من سوء العاقبة وبدخول هؤلاء الظالمين في زمرتهم جرما ووعيدا دخولا أوليا وقوله عزّ وجل( وَمِنْهُمْ )الخ وصف لحالهم بعد إتيان التأويل المتوقع إذ حينئذ يمكن 40 تنويعهم إلى المؤمن به وغير المؤمن ضرورة امتناع الإيمان بشيء من غير علم به واشتراك الكل في التكذيب والكفر به قبل ذلك حسبما أفاده قوله تعالىبَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِأي ومن هؤلاء المكذبين( مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ )عند الإحاطة بعلمه وإتيان تأويله وظهور حقيته بعد ما سعوا في المعارضة ورازوا قواهم فيها فتضاءلت دونها أو بعد ما شاهدوا وقوع ما أخبر به كما أخبر به مرارا ومعنى الإيمان به إما الاعتقاد بحقيته فقط أي يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ويكابر وهؤلاء هم الذين أشير بقصر اتباع الظن على أكثرهم إلى أنهم يعلمون الحق على التفسير الأول كما أشير إليه فيما سلف وإما الإيمان الحقيقي أي سيؤمن به ويتوب عن الكفر وهم الذين أشير بالقصر المذكور على التفسير الثاني إلى أنهم سيتبعون الحق كما مر( وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ )أي لا يصدق به في نفسه كما لا يصدق ظاهرا لفرط غباوته المانعة عن الإحاطة بعلمه * كما ينبغي وإن كان فوق مرتبة عدم الإحاطة به أصلا أو لسخافة عقله واختلال تمييزه وعجزه عن تخليص علومه عن مخالطة الظنون والأوهام التي ألفها فيبقى على ما كان عليه من الشك وهذا القدر من الإحاطة وإتيان التأويل كاف في مقابلة ما سبق من عدم الإحاطة بالمرة وهؤلاء هم الذين أريدوا فيما سلف بقوله عزّ وجلوَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّاعلى التفسير الأول أو لا يؤمنوا به فيما سيأتي بل يموت على كفره معاندا كان أو شاكا وهم المستمرون على اتباع الظن على التفسير الثاني من غير إذعان للحق وانقياد له( وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ )* أي بكلا الفريقين على الوجه الأول لا بالمعاندين فقط كما قيل لاشتراكهما في أصل الإفساد المستدعى لاشتراكهما في الوعيد أو بالمصرين الباقين على الكفر على الوجه الثاني من المعاندين والشاكين .
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 147 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي