تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 12 ] إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ( 12 )
شرح
12 وتمكن فيه الصبر والجراءة لا تكاد تزل القدم في معارك الحروب وقوله تعالى( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ )منصوب بمضمر مستأنف خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلم بطريق التجريد حسبما تنطق به الكاف لما أن المأمور به مما لا يستطيعه غيره صلّى اللّه عليه وسلم فإن الوحي المذكور قبل ظهوره بالوحي المتلو على لسانه صلّى اللّه عليه وسلم ليس من النعم التي يقف عليها عامة الأمة كسائر النعم السابقة التي أمروا بذكر وقتها بطريق الشكر وقيل منصوب بقوله تعالىوَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَفلا بد حينئذ من عود الضمير المجرور في به إلى الربط على القلوب ليكون المعنى ويثبت أقدامكم بتقوية قلوبكم وقت إيحائه إلى الملائكة وأمره بتثبيتهم إياكم وهو وقت القتال ولا يخفى أن تقييد التثبيت المذكور بوقت مبهم عندهم ليس فيه مزيد فائدة وأما انتصابه على أنه بدل ثالث من إذ يعدكم كما قيل فيأباه تخصيص الخطاب به صلّى اللّه عليه وسلم مع ما عرفت من أن المأمور به ليس من الوظائف العامة للكل كسائر أخواته وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلّى اللّه عليه وسلم من التنويه والتشريف * ما لا يخفى والمعنى اذكر وقت إيحائه تعالى إلى الملائكة( أَنِّي مَعَكُمْ )أي بالإمداد والتوفيق في أمر التثبيت فهو مفعول يوحى وقرئ بالكسر على إرادة القول أو إجراء الوحي مجراه وما يشعر به دخول كلمة مع من متبوعية الملائكة إنما هي من حيث إنهم المباشرون للتثبيت صورة فلهم الأصالة من تلك الحيثية * كما في أمثال قوله تعالىإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ *والفاء في قوله تعالى( فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا )لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن إمداده تعالى إياهم من أقوى موجبات التثبيت واختلفوا في كيفية التثبيت فقالت جماعة إنما أمروا بتثبيتهم بالبشارة وتكثير السواد ونحوهما مما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم ويتأكد جدهم في القتال وهو الأنسب بمعنى التثبيت وحقيقته التي هي عبارة عن الحمل على الثبات في موطن الحراب والجد في مقاساة شدائد القتال وقد روى أنه كان الملك يتشبه بالرجل الذي يعرفونه بوجهه فيأتي ويقول إني سمعت المشركين يقولون واللّه لئن حملوا علينا لننكشفن ويمشى بين الصفين فيقول * أبشروا فإن اللّه تعالى ناصركم وقال آخرون أمروا بمحاربة أعدائهم وجعلوا قوله تعالى( سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ )تفسيرا لقوله تعالىأَنِّي مَعَكُمْوقوله تعالى( فَاضْرِبُوا )الخ تفسيرا لقوله تعالىفَثَبِّتُوامبينا لكيفية التثبيت وقد روى عن أبي داود المازني رضى اللّه عنه وكان ممن شهد بدرا أنه قال اتبعت رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه فوقعت رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي وعن سهل بن حنيف رضى اللّه عنه أنه قال لقدر أيتنا يوم بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف وأنت خبير بأن قتلهم للكفرة مع عدم ملاءمته لمعنى تثبيت المؤمنين مما لا يتوقف على الإمداد بإلقاء الرعب فلا يتجه ترتيب الأمر به عليه بالفاء وقد اعتذر الأولون بأن قوله تعالىسَأُلْقِيالخ ليس بنص فيما ذكر بل يجوز أن يكون ذلك إثر قوله تعالىفَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُواتلقينا للملائكة ما يثبتونهم به