تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 114 إلى 115 ] قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 114 ) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 115 )
شرح
إن جعلت موصولة كأنه قيل على أي شئ يشهدون فقيل عليها فإن ما يتعلق بالصلة لا يتقدم على الموصول أو هو حال من اسم كان أو هو متعلق بمحذوف يفسره من الشاهدين( قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ )لما رأى عليه السلام أن لهم غرضا صحيحا في ذلك وأنهم لا يقلعون عنه أزمع على استدعائها واستنزالها وأراد أن يلزمهم الحجة بكمالها . روى أنه صلّى اللّه عليه وسلم اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره ثم قال *( اللَّهُمَّ رَبَّنا )ناداه سبحانه وتعالى مرتين مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع الكمالات ومرة بوصف * الربوبية المنبئة عن التربية إظهارا لغاية التضرع ومبالغة في الاستدعاء( أَنْزِلْ عَلَيْنا )تقديم الظرف على * قوله( مائِدَةً )لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر وقوله( مِنَ السَّماءِ )متعلق بأنزل * أو بمحذوف هو صفة لمائدة أي كائنة من السماء نازلة منها وقوله( تَكُونُ لَنا عِيداً )في محل النصب على أنه صفة لمائدة واسم تكون ضمير المائدة وخبرها إما عيدا ولنا حال منه أو من ضمير تكون عند من يجوز إعمالها في الحال وإما لنا وعيدا حال من الضمير في لنا لأنه وقع خبرا فيحمل ضميرا أو من ضمير تكون عند من يرى ذلك أي يكون يوم نزولها عيدا نعظمه وإنما أسند ذلك إلى المائدة لأن شرف اليوم مستعار من شرفها وقيل العيد السرور العائد ولذلك سمى يوم العيد عيدا وقرئ تكن بالجزم على جواب الأمر كما في * قوله تعالىفَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِيخلا أن قراءة الجزم هناك متواترة وهاهنا من الشواذ( لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا )بدل منلَنابإعادة العامل أي عيدا لمتقدمينا ومتأخرينا . روى أنها نزلت يوم الأحد ولذلك اتخذه النصارى عيدا وقيل للرؤساء منا والأتباع وقيل يأكل منها أولنا وآخرنا وقرئ لأولانا وأخرانا * بمعنى الأمة والطائفة( وَآيَةً )عطف على عيدا( مِنْكَ )متعلق بمحذوف هو صفة لآية أي كائنة منك دالة * على كمال قدرتك وصحة نبوتي( وَارْزُقْنا )أي المائدة أو الشكر عليها( وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )تذييل جار مجرى التعليل أي خير من يرزق لأنه خالق الأرزاق ومعطيها بلا عوض وفي إقباله عليه السلام على الدعاء بتكرير النداء المنبئ عن كمال الضراعة والابتهال وزيادته ما لم يخطر ببال السائلين من الأمور الداعية إلى الإجابة والقبول دلالة واضحة على أنهم كانوا مؤمنين وأن سؤالهم كان لتحصيل الطمأنينة كما في قول إبراهيم عليه السلام رب أرني كيف تحيى الموتى وإلا لما قبل اعتذارهم بما ذكروه ولما أضاف إليه من عنده ما يؤكده ويقربه إلى القبول( قالَ اللَّهُ )استئناف كما سبق( إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ )ورود الإجابة منه تعالى بصيغة التفعيل المنبئة عن التكثير مع كون الدعاء منه عليه السلام بصيغة الإفعال لإظهار كمال