Skip to main content

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — Page 61

Contributors:

P.61
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 68 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 )
Commentary
أصلا من الأسرار الخفية ليست مما يقصد تبليغه إلى الناس أي فما بلغت شيئا من رسالته وانسلخت مما شرفت به من عنوان الرسالة بالمرة لما أن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها وكونها لذلك في حكم شئ واحد ولا ريب في أن الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ مؤمنا به غير مؤمن به ولأن كتمان بعضها إضاعة لما أدى منها كترك بعض أركان الصلاة فإن غرض الدعوة ينتقض بذلك وقيل فكأنك ما بلغت شيئا منها كقوله تعالىفَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاًمن حيث أن كتمان البعض والكل سواء في الشناعة واستجلاب العقاب وقرئ فما بلغت رسالاتى وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما إن كتمت آية لم تبلغ رسالاتى وروى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعثني اللّه برسالاته فضقت بها ذرعا فأوحى اللّه إلى إن لم تبلغ رسالاتى عذبتك وضمن لي العصمة فقويت وذلك قوله تعالى( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )فإنه كما ترى عدة كريمة * بعصمته من لحوق ضررهم بروحه العزيز باعثة له صلّى اللّه عليه وسلم على الجد في تحقيق ما أمر به من التبليغ غير مكترث بعداوتهم وكيدهم وعن أنس رضى اللّه عنه أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يحرس حتى نزلت فأخرج رأسه من قبة أدم فقال انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني اللّه من الناس وقوله تعالى( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ )* تعليل لعصمته تعالى له صلّى اللّه عليه وسلم أي لا يمكنهم مما يريدون بك من الأضرار وإيراد الآية الكريمة في تضاعيف الآيات الواردة في حق أهل الكتاب لما أن الكل قوارع يسوء الكفار سماعها ويشق على الرسول صلّى اللّه عليه وسلم مشافهتهم بها وخصوصا ما يتلوها من النص الناعي عليهم كمال ضلالتهم ولذلك أعيد الأمر فقيل( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ )مخاطبا للفريقين( لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ )أي دين يعتد به ويليق بأن يسمى شيئا لظهور بطلانه * ووضوح فساده وفي هذا التعبير من التحقير والتصغير ما لا غاية وراءه( حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ )* أي تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما من الأمور التي من جملتها دلائل رسالة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وشواهد نبوته فإن إقامتهما إنما تكون بذلك وأما مراعاة أحكامهما المنسوخة فليست من إقامتهما في شئ بل هي تعطيل لهما ورد لشهادتهما لأنهما شاهدان بنسخها وانتهاء وقت العمل بها لأن شهادتهما بصحة ما ينسخها شهادة بنسخها وخروجها عن كونها من أحكامهما وأن أحكامهما ما قرره النبي الذي بشر فيهما ببعثته وذكر في تضاعيفهما نعوته فإذن إقامتهما بيان شواهد النبوة والعمل بما قررته الشريعة من الأحكام كما يفصح عنه قوله تعالى( وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ )أي القرآن المجيد بالإيمان به فإن إقامة الجميع لا تتأتى بغير ذلك * وتقديم إقامة الكتابين على إقامته مع أنها المقصودة بالذات لرعاية حق الشهادة واستنزالهم عن رتبة الشقاق وإيراده بعنوان الإنزال إليهم لما مر من التصريح بأنهم مأمورون بإقامته والإيمان به لا كما يزعمون من اختصاصه بالعرب وفي إضافة الرب إلى ضميرهم ما أشير إليه من اللطف في الدعوة وقيل المراد بما