تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 50 إلى 51 ] أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 51 )
شرح
احذرهم مخافة أن يفتنوك وإعادة ما أنزل اللّه لتأكيد التحذير بتهويل الخطب . روى أن أحبار اليهود قالوا اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتنه عن دينه فذهبوا إليه صلّى اللّه عليه وسلم وقالوا يا أبا القاسم قد عرفت أنا أحبار اليهود وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم وأن بيننا وبين قومنا خصوصة فنتحاكم إليك فتقضى لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك فأبى ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فنزلت( فَإِنْ تَوَلَّوْا )أي أعرضوا عن الحكم بما * أنزل اللّه تعالى وأرادوا غيره( فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ )أي بذنب توليهم عن * حكم اللّه عزّ وجل وإنما عبر عنه بذلك إيذانا بأن لهم ذنوبا كثيرة هذا مع كمال عظمه واحد من جملتها وفي هذا الإبهام تعظيم للتولى كما في قول لبيد[ أو يرتبط بعض النفوس حمامها ]يريد به نفسه أي نفسا كبيرة ونفسا أي نفس( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ )أي متمردون في الكفر مصرون عليه * خارجون عن الحدود المعهودة وهو اعتراض تذييلى مقرر ؟ ؟ ؟( أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ )إنكار وتعجيب من حالهم وتوبيخ لهم والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية وتقديم المفعول للتخصيص المفيد لتأكيد الإنكار والتعجيب لأن التولي عن حكمه صلّى اللّه عليه وسلم وطلب حكم آخر منكر عجيب وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب والمراد بالجاهلية إما الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام فيكون تعييرا لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل لا يصدر عن كتاب ولا يرجع إلى وحى وإما أهل الجاهلية وحكمهم ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى حيث روى أن بنى النضير لما تحاكموا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في خصومة قتل وقعت بينهم وبين بني قريظة طلبوا إليه صلّى اللّه عليه وسلم أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل فقال صلّى اللّه عليه وسلم القتلى سواء فقال بنو النضير نحن لا نرضى بذلك فنزلت وقرئ برفع الحكم على أنه مبتدأ ويبغون خبره والراجع محذوف حذفه في قوله تعالىأَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًاوقد استضعف ذلك في غير الشعر وقرئ بقاء الخطاب إما بالالتفات لتشديد التوبيخ وإما بتقدير القول أي قل لهم أفحكم الخ وقرئ بفتح الحاء والكاف أي أفحاكما كحكام الجاهلية يبغون( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً )إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكمه تعالى أو مساو له وإن كان * ظاهر السبك غير متعرض لنفى المساواة وإنكارها وقد مر تفصيله في تفسير قوله تعالىوَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ( لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )أي عندهم واللام كما في هيت لك أي هذا الاستفهام لهم فإنهم الذين * يتدبرون الأمور بأنظارهم فيعلمون يقينا أن حكم اللّه عزّ وجل أحسن الأحكام وأعدلها( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )خطاب يعم حكمه كافة المؤمنين من المخلصين وغيرهم وإن كان سبب وروده بعضا منهم كما سيأتي
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 47 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي