تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 150 ] وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 150 )
شرح
ما رجع موسى عليه الصلاة والسلام إليهم كما ينطق به الآيات الواردة في سورة طه لكن أريد بتقديمه عليه حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل في موضع واحد( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ )شروع في بيان * ما جرى من موسى عليه السلام بعد رجوعه من الميقات إثر بيان ما وقع من قومه بعده وقوله تعالى( غَضْبانَ أَسِفاً )حالان من موسى عليه السلام أو الثاني من المستكن في غضبان والأسف الشديد الغضب وقيل * الحزين( قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي )أي بئسما فعلتم من بعد غيبتي حيث عبدتم العجل بعد ما رأيتم فعلى من توحيد اللّه تعالى ونفى الشركاء عنه وإخلاص العبادة له أو من حملكم على ذلك وكفكم عما طمحت نحوه أبصاركم حيث قلتم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف فالخطاب للعبدة من السامري وأشياعه أو بئسما قمتم مقامي ولم تراعوا عهدي حيث لم تكفوا العبدة عما فعلوا فالخطاب لهارون ومن معه من المؤمنين كما ينبئ عنه قوله تعالىقالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِيويجوز أن يكون الخطاب للكل على أن المراد بالخليفة ما يعم الأمرين المذكورين وما نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس المستكن فيه والمخصوص بالذم محذوف تقديره * بئس خلافة خلفتمونيها من بعدى خلافتكم( أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ )أي تركتموه غير تام على تضمين عجل معنى سبق يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام أو أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم * موتى وغيرتم بعدى كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم( وَأَلْقَى الْأَلْواحَ )طرحها من شدة الغضب وفرط الضجر حمية للدين . روى أن التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفعت * ستة أسباعها التي كان فيها تفصيل كل شئ وبقي سبع كان فيه المواعظ والأحكام( وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ )* بشعر رأسه عليهما السلام( يَجُرُّهُ إِلَيْهِ )حال من ضمير أخذ فعله عليه السلام توهما أنه قصر في كفهم * وهارون كان أكبر منه عليهما السلام بثلاث سنين وكان حمولا ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل( قالَ )* أي هارون مخاطبا لموسى عليهما السلام( ابْنَ أُمَّ )بحذف حرف النداء وتخصيص الأم بالذكر مع كونهما شقيقين لما أن حق الأم أعظم وأحق بالمراعاة مع أنها كانت مؤمنة وقد قاست فيه المخاوف والشدائد وقرئ بكسر الميم بإسقاط الياء تخفيفا كالمنادى المضاف إلى الياء وقراءة الفتح لزيادة التخفيف أو لتشبيهه * بخمسة عشر( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي )إزاحة لتوهم التقصير في حقه والمعنى بذلت جهدي * في كفهم حتى قهرونى واستضعفوني وقاربوا قتلى( فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ )أي فلا تفعل بي ما يكون سببا * لشماتتهم بي( وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )أي معدودا في عدادهم بالمؤاخذة أو النسبة إلى التقصير وهذا يؤيد كون الخطاب للكل أو لا تعتقد أنى واحد من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم .