[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 132 إلى 134 ]
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 134 )
شرح
نزاهته سبحانه وتعالى عن كلا التعذيبين الدنيوي والأخروى معا من غير إنذار على أبلغ وجه وآكده حيث اقتصر على نفى التعذيب الدنيوي عنه تعالى ليثبت نفى التعذيب الأخروى عنه تعالى على الوجه البرهاني بطريق الأولوية فإنه تعالى حيث لم يعذبهم بعذاب يسير منقطع بدون إنذار فلأن لا يعذبهم بعذاب شديد مخلد أولى وأجلى ولو علل بما ذكر من نفى التعذيب لانصرف بحسب المقام إلى ما فيه الكلام من نفى التعذيب الأخروى ونفى التعذيب الدنيوي غير متعرض له لا صريحا ولا دلالة ضرورة أن نفى الأعلى لا يدل على نفى الأدنى ولأن ترتب التعذيب الدنيوي على الإنذار عند عدم تأثر المنذرين منه معلوم مشاهد عند السامعين فيستدلون بذلك على أن التعذيب الأخروى أيضا كذلك فينزجرون عن الإخلال بمواجب الإنذار أشد انزجار هذا هو الذي تستدعيه جزالة النظم الكريم وأما جعل ذلك إشارة إلى إرسال الرسل عليهم السلام وانذارهم وخبر المبتدأ محذوف كما أطبق عليه الجمهور فبمعزل من مقتضى المقام واللّه سبحانه أعلم( وَلِكُلٍّ )أي من المكلفين من الثقلين( دَرَجاتٌ )متفاوتة وطبقات متباينة( مِمَّا عَمِلُوا )من أعمالهم صالحة كانت أو سيئة فإن أعمالهم درجات في * أنفسها أو من جزاء أعمالهم فإن كل جزاء مرتبة معينة لهم أو من أجل أعمالهم( وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ )* فيخفى عليه عمل من أعمالهم أو قدر ما يستحقون بها من ثواب أو عقاب وقرئ بالتاء تغليبا للخطاب على الغيبة( وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ )مبتدأ وخبر أي هو المعروف بالغنى عن كل ما سواه كائنا من كان وما كان فيدخل فيه غناه عن العباد وعن عبادتهم وفي التعرض لوصف الربوبية في الموضعين لا سيما في الثاني لكونه موقع الإضمار مع الإضافة إلى ضميره صلّى اللّه عليه وسلم من إظهار اللطف به صلّى اللّه عليه وسلم وتنزيه ساحته عن توهم شمول الوعيد الآتي لها أيضا ما لا يخفى وقوله تعالى( ذُو الرَّحْمَةِ )خبر آخر أو هو الخبر والغنى صفة أي يترحم عليهم بالتكليف * تكميلا لهم ويمهلهم على المعاصي وفيه تنبيه على أن ما سلف ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتمهيد لقوله تعالى( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ )أي ما به حاجة إليكم إن يشأ يذهبكم أيها العصاة وفي تلوين * الخطاب من تشديد الوعيد ما لا يخفى( وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ )أي من بعد إذهابكم( ما يَشاءُ )من الخلق * وإيثار ما على من لإظهار كمال الكبرياء وإسقاطهم عن رتبة العقلاء( كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ )* أي من نسل قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه الصلاة والسلام لكنه أبقاكم ترحما عليكم وما في كما مصدرية ومحل الكاف النصب على أنه مصدر تشبيهى على غير الصدر فإن يستخلف في معنى ينشئ كأنه قيل وينشئ إنشاء كائنا كإنشائكم الخ أو نعت لمصدر الفعل المذكور أي يستخلف استخلافا كائنا كإنشائكم الخ والشرطية استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الغنى والرحمة( إِنَّ ما تُوعَدُونَ )