[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 111 ]
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 )
شرح
والأبصار ومعرب عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره بأن يقلب اللّه سبحانه مشاعرهم عن الحق مع توجههم إليه واستعدادهم له بطريق الإجبار بل بأن يخليهم وشأنهم بعد ما علم فساد استعدادهم وفرط نفورهم عن الحق وعدم تأثير اللطف فيهم أصلا ويطبع على قلوبهم حسبما يقتضيه استعدادهم كما أشرنا إليه وقوله تعالى *( فِي طُغْيانِهِمْ )متعلق بنَذَرُهُمْوقوله تعالى( يَعْمَهُونَ )حال من الضمير المنصوب فينَذَرُهُمْأي ندعهم في طغيانهم متحيرين لا نهديهم هداية المؤمنين أو مفعول ثان لنَذَرُهُمْأي نصيرهم عامهين وقرئ يقلب ويذر بالياء على إسنادهما إلى ضمير الجلالة وقرئ تقلب بالتاء والبناء للمفعول على إسناده إلىأَفْئِدَتَهُمْ( وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ )تصريح بما أشعر به قوله عزّ وجلوَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَمن الحكمة الداعية إلى ترك الإجابة إلى ما اقترحوه من الآيات إثر بيان أنها في حكمه تعالى وقضائه المبنى على الحكم البالغة لا مدخل لأحد في أمرها بوجه من الوجوه وبيان لكذبهم في أيمانهم الفاجرة على أبلغ وجه وآكده أي ولو أننا لم نقتصر على إيتاء ما اقترحوه هاهنا من آية واحدة من الآيات بل نزلنا إليهم الملائكة كما سألوه * بقولهملَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُوقولهملَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ( وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى )وشهدوا بحقية الإيمان بعد أن * أحييناهم حسبما اقترحوه بقولهمفَأْتُوا بِآبائِنا( وَحَشَرْنا )أي جمعنا( عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا )بضمتين وقرئ بسكون الباء أي كفلاء بصحة الأمر وصدق النبي صلّى اللّه عليه وسلم على أنه جمع قبيل بمعنى الكفيل كرغيف ورغف وقضيب وقضب وهو الأنسب بقوله تعالىأَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًاأي لو لم نقتصر على ما اقترحوه بل زدنا على ذلك بأن أحضرنا لديهم كل شئ يتأتى منه الكفالة والشهادة بما ذكر لا فرادى بل بطريق المعية أو جماعات على أنه جمع قبيل وهو جمع قبيلة وهو الأوفق لعموم كل شئ وشموله للأنواع والأصناف أي حشرنا كل شئ نوعا نوعا وصنفا صنفا وفوجا فوجا وانتصابه على الحالية وجمعيته باعتبار الكل المجموعى اللازم للكل الإفرادى أو مقابلة وعيانا على أنه مصدر كقبلا وقد قرئ كذلك وانتصابه على الوجهين على أنه مصدر في موقع الحال وقد نقل عن المبرد وجماعة من أهل اللغة أن الأخير بمعنى الجهة كما في قولك لي قبل * فلان حق وأن انتصابه على الظرفية( ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا )أي ما صح وما استقام لهم الإيمان لتماديهم في العصيان وغلوهم في التمرد والطغيان وأما سبق القضاء عليهم بالكفر فمن الأحكام المترتبة على ذلك حسبما ينبئ * عنه قوله عزّ وجلوَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَوقوله تعالى( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ )استثناء مفرغ من أعم الأحوال والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة أي ما كانوا ليؤمنوا بعد اجتماع ما ذكر من الأمور الموجبة للإيمان في حال من الأحوال الداعية إليه المتممة لموجباته المذكورة إلا في حال مشيئته تعالى لإيمانهم أو من أعم العلل أي ما كانوا ليؤمنوا لعلة من العلل المعدودة وغيرها إلا لمشيئته تعالى له وأيا ما كان فليس المراد بالاستثناء بيان أن إيمانهم على خطر الوقوع بناء على كون مشيئته