تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 34 ] وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 )
شرح
فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَبل نفى تكذيبهم عنه صلّى اللّه عليه وسلم وأثبت لآياته تعالى على طريقة قوله تعالىإِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَإيذانا بكمال القرب واضمحلال شؤونه صلّى اللّه عليه وسلم في شأن اللّه عزّ وجل نعم فيه استعظام لجناياتهم منبئ عن عظم عقوبتهم كأنه قيل لا تعتد به وكله إلى اللّه تعالى فإنهم في تكذيبهم ذلك لا يكذبونك في الحقيقة( وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ )أي ولكنهم بآياته تعالى يكذبون فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا * عليهم بالرسوخ في الظلم الذي جحودهم هذا فن من فنونه والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة واستعظام ما أقدموا عليه من جحود آياته تعالى وإيراد الجحود في مورد التكذيب للإيذان بأن آياته تعالى من الوضوح بحيث يشاهد صدقها كل أحد وأن من ينكرها فإنما ينكرها بطريق الجحود الذي هو عبارة عن الإنكار مع العلم بخلافه كما في قوله تعالىوَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْوهو المعنى بقول من قال أنه نفى ما في القلب إثباته أو إثبات ما في القلب نفيه والباء متعلقة بيجحدون يقال جحد حقه وبحقه إذا أنكره وهو يعلمه وقيل هو لتضمين الجحود معنى التكذيب وأيا ما كان فتقديم الجار والمجرور للقصر وقيل المعنى فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم ولكنهم يجحدون بألسنتهم ويعضده ما روى من أن الأخنس بن شريق قال لأبى جهل يا أبا الحكم أخبرني عن محمدا صادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا فقال له واللّه إن محمدا لصادق وما كذب قط ولكن إذا ذهب بنو قصى باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فما ذا يكون لسائر قريش فنزلت وقد روى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شئ ولكنهم كانوا يجحدون وقيل فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق ولكنهم يجحدون بآيات اللّه كما يروى أن أبا جهل كان يقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما نكذبك وإنك عندنا لصادق ولكنا نكذب ما جئتنا به فنزلت وكأن صدق المخبر عند الخبيث بمطابقة خبره لاعتقاده والأول هو الذي تستدعيه الجزالة التنزيلية وقرئ لا يكذبونك من الإكذاب فقيل كلاهما بمعنى واحد كأكثر وكثر وأنزل ونزل وهو الأظهر وقيل معنى أكذبه وجده كاذبا ونقل عن الكسائي أن العرب تقول كذبت الرجل أي نسبت الكذب إليه وأكذبته أي نسبت الكذب إلى ما جاء به لا إليه . وقوله تعالى( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ )افتنان في تسليته عليه الصلاة والسلام فإن عموم البلية ربما يهون أمرها بعض تهوين وإرشاد له عليه الصلاة والسلام إلى الاقتداء بمن قبله من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام في الصبر على ما أصابهم من أممهم من فنون الأذية وعدة ضمنية له عليه الصلاة والسلام بمثل ما منحوه من النصر وتصدير الكلام بالقسم لتأكيد التسلية وتنوين رسل للتفخيم والتكثير ومن إما متعلقة بكذبت أو بمحذوف وقع صفة لرسل أي وباللّه لقد كذبت من قبل تكذيبك رسل أولو شأن خطير وذوو عدد كثير أو كذبت رسل كانوا من زمان قبل زمانك( فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا )ما مصدرية وقوله *