[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 7 إلى 8 ]
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 )
شرح
لم ينقص من ملكه شيئا بل كلما أهلك أمة أنشأ بدلها أخرى( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ )جملة مستأنفة سيقت بطريق تلوين الخطاب لبيان شدة شكيمتهم في المكابرة وما يتفرع عليها من الأقاويل الباطلة إثر بيان إعراضهم عن آيات اللّه تعالى وتكذيبهم بالحق واستحقاقهم بذلك لنزول العذاب ونسبة التنزيل هاهنا إليه عليه السلام مع نسبة إتيان الآيات ومجىء الحق فيما سبق إليهم للإشعار بقدحهم في نبوته عليه السلام في ضمن قدحهم فيما نزل عليه صريحا وقال الكلبي ومقاتل نزلت في النضر بن الحرث وعبد اللّه بن أبي أمية ونوفل ابن خويلد حيت قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند اللّه ومعه أربعة من الملائكة * يشهدون أنه من عند اللّه تعالى وأنك رسوله( كِتاباً )إن جعل اسما كالإمام فقوله تعالى( فِي قِرْطاسٍ )متعلق بمحذوف وقع صفة له أي كتابا كائنا في صحيفة وإن جعل مصدرا بمعنى المكتوب فهو متعلق بنفسه *( فَلَمَسُوهُ )أي الكتاب وقيل القرطاس وقوله تعالى( بِأَيْدِيهِمْ )مع ظهور أن اللمس لا يكون عادة إلا بالأيدي لزيادة التعين ودفع احتمال التجوز الواقع في قوله تعالىوَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَأي تفحصنا أي فمسوه بأيديهم بعد ما رأوه بأعينهم بحيث لم يبق لهم في شأنه اشتباه ولم يقدروا على الاعتذار بتسكير * الأبصار( لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا )أي لقالوا وإنما وضع الموصول موضع الضمير للتنصيص على اتصافهم * بما في حيز الصلة من الكفر الذي لا يخفى حسن موقعه باعتبار مفهومه اللغوي أيضا( إِنْ هذا )أي ما هذا * مشيرين إلى ذلك الكتاب( إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ )أي بين كونه سحرا تعنتا وعنادا للحق بعد ظهوره كما هو دأب المفحم المحجوج وديدن المكابر اللجوج( وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ )شروع في قدحهم في نبوته عليه السلام صريحا بعد ما أشير إلى قدحهم فيما ضمنا وقيل هو معطوف على جواب لو وليس بذاك لما أن تلك المقالة الشنعاء ليست مما يقدر صدوره عنهم على تقدير تنزيل الكتاب المذكور بل هي من أباطيلهم المحققة وخرافاتهم الملفقة التي يتعللون بها كلما ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل أي هلا أنزل عليه عليه السلام ملك بحيث نراه ويكلمنا أنه نبي حسبما نقل عنهم فيما روى عن الكلبي ومقاتل ونظيره قولهم لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ولما كان مدار هذا الاقتراح على شيئين إنزال الملك كما هو وجعله معه عليه السلام نذيرا أجيب عنه بأن ذلك مما لا يكاد يدخل تحت الوجود أصلا لاشتماله على أمرين متباينين لا يجتمعان في الوجود لما أن إنزال الملك على صورته يقتضى انتفاء جعله نذيرا وجعله نذيرا يستدعى * عدم إنزاله على صورته لا محالة وقد أشير إلى الأول بقوله تعالى( وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ )أي لو أنزلنا ملكا على هيئته حسبما اقترحوه والحال أنه من هول المنظر بحيث لا تطيق بمشاهدته قوى الآحاد البشرية ألا يرى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يشاهدون الملائكة ويفاوضونهم على الصور