Skip to main content

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — Page 111

Contributors:

P.111
من الدهر كما في قوله عليه الصلاة والسلام خير القرون قرني ثم الذين يلونهم الحديث وقيل هو عبارة عن مدة من الزمان والمضاف محذوف أي من أهل قرن وأما انتصابها على المصدرية أو على الظرفية على أنها عبارة عن المصدر أو عن الزمان فتعسف ظاهر ومن الأولى ابتدائية متعلقة بأهلكنا أي ألم يعرفوا بمعاينة الآثار وسماع الأخبار كم أمة أهلكنا من قبل أهل مكة أي من قبل خلقهم أو من قبل زمانهم على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كعاد وثمود وأضرابهم وقوله تعالى
( مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ )
استئناف لبيان كيفية الإهلاك وتفصيل مباديه مبنى على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل كيف كان ذلك فقيل مكناهم الخ وقيل هو صفة لقرن لما أن النكرة مفتقرة إلى مخصص فإذا وليها ما يصلح مخصصا لها تعين وصفيته لها وأنت خبير بأن تنوينه التفخيمى مغن له عن استدعاء الصفة على أن ذلك مع اقتضائه أن يكون مضمونه ومضمون ما عطف عليه من الجمل الأربع أمرا مفروغا عنه غير مقصود بسياق النظم مؤد إلى اختلال النظم الكريم كيف لا والمعنى حينئذ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن موصوفين بكذا وكذا وبإهلاكنا إياهم بذنوبهم وأنه بين الفساد وتمكين الشئ في الأرض جعله قارا فيها ولما لزمه جعلها مقرا له ورد الاستعمال بكل منهما فقيل تارة مكنه في الأرض ومنه قوله تعالى
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ
وأخرى مكن له في الأرض ومنه قوله تعالى
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ
حتى أجرى كل منهما مجرى الآخر ومنه قوله تعالى
( ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ )
بعد قوله تعالى
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ
كأنه * قيل في الأول مكنا لهم أو في الثاني ما لم نمكنكم وما نكرة موصوفة بما بعدها من الجملة المنفية والعائد محذوف محلها النصب على المصدرية أي مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم والالتفات لما في مواجهتهم بضعف الحال مزيد بيان لشأن الفريقين ولدفع الاشتباه من أول الأمر عن مرجعي الضميرين
( وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ )
* أي المطر أو السحاب أو المظلة لأنها مبدأ المطر
( عَلَيْهِمْ )
متعلق بأرسلنا
( مِدْراراً )
أي مغزارا حال من * السماء
( وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ )
أي صيرناها فقوله تعالى
( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ )
مفعول ثان لجعلنا أو أنشأناها * فهو حال من مفعوله ومن تحتهم متعلق بتجرى وفيه من الدلالة على كونها مسخرة لهم مستمرة على الجريان على الوجه المذكور ما ليس في أن يقال وأجرينا الأنهار من تحتهم وليس المراد بتعداد هاتيك النعم العظام الفائضة عليهم بعد ذكر تمكينهم بيان عظم جنايتهم في كفرانها واستحقاقهم بذلك لأعظم العقوبات بل بيان حيازتهم لجميع أسباب نيل المآرب ومبادى الأمن والنجاة من المكاره والمعاطب وعدم إغناء ذلك عنهم شيئا والمعنى أعطيناهم من البسطة في الأجسام والامتداد في الأعمار والسعة من الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا في استجلاب المنافع واستدفاع المضار ما لم نعط أهل مكة ففعلوا ما فعلوا
( فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ )
أي أهلكنا كل قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من الذنوب فما * أغنى عنهم تلك العدد والأسباب فسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب وهذا كما ترى آخر ما به الاستشهاد والاعتبار وأما قوله سبحانه
( وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ )
أي أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن
( قَرْناً آخَرِينَ )
بدلا من الهالكين فلبيان كمال قدرته تعالى وسعة سلطانه وأن ما ذكر من إهلاك الأمم الكثيرة