تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 127 إلى 128 ] لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ( 127 ) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ( 128 )
شرح
اثنين وقوله عزّ وجلإِلَّا بُشْرى لَكُمْاستثناء من أعم المفاعيل أي وما جعله اللّه تعالى شيئا من الأشياء إلا بشارة لكم فاللام في قوله تعالىوَلِتَطْمَئِنَّمتعلقة بمحذوف تقديره ولتطمئن قلوبكم به فعل ذلك( وَمَا النَّصْرُ )أي حقيقة النصر على الإطلاق فيندرج في حكمه النصر المعهود اندراجا أوليا( إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )أي إلا كائن من عنده تعالى من غير أن يكون فيه شركة من جهة الأسباب والعدد وإنما هي مظاهر له بطريق جريان سنته تعالى أو وما النصر المعهود إلا من عنده تعالى لا من عند الملائكة فإنهم بمعزل من التأثير وإنما قصارى أمرهم ما ذكر من البشارة وتقوية القلوب( الْعَزِيزِ )أي الذي لا يغالب في حكمه وأقضيته وإجراء هذا الوصف عليه تعالى للإشعار بعلة اختصاص النصر به تعالى كما أن وصفه بقوله( الْحَكِيمِ )أي الذي يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة للإيذان بعلة جعل النصر بإنزال الملائكة فإن ذلك من مقتضيات الحكم البالغة( لِيَقْطَعَ )متعلق بقوله تعالىوَلَقَدْ نَصَرَكُمُوما بينهما تحقيق لحقيقته وبيان لكيفية وقوعه والمقصور على التعليل بما ذكر من البشرى والاطمئنان إنما هو الإمداد بالملائكة على الوجه المذكور فلا يقدح ذلك في تعليل أصل النصر بالقطع وما عطف عليه أو بما تعلق به الخبر في قوله عزّ وعلاوَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِعلى تقدير كونه عبارة عن النصر المعهود وقد أشير إلى أن المعلل بالبشارة والاطمئنان إنما هو الإمداد الصوري لا ما في ضمنه من النصر المعنوي الذي هو ملاك الأمر وأما تعلقه بنفس النصر كما قيل فمع ما فيه من الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي هو الخبر مخل بسداد المعنى كيف لا ومعناه قصر النصر المخصوص المعلل بعلل معينة على الحصول من جهته تعالى وليس المراد إلا قصر حقيقة النصر أو النصر المعهود على ذلك والمعنى لقد نصركم اللّه يومئذ أو وما النصر الظاهر عند إمداد الملائكة إلا ثابت من عند اللّه ليقطع أي يهلك وينقص( طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا )أي طائفة منهم بقتل وأسر وقد وقع ذلك حيث قتل من رؤسائهم وصناديدهم سبعون وأسر سبعون( أَوْ يَكْبِتَهُمْ )أي يخزيهم ويغيطهم بالهزيمة فإن الكبت شدة غيظ أو وهن يقع في القلب من كبته بمعنى كبده إذا ضرب كبده بالغيظ والحرقة وقيل الكبت الإصابة بمكروه وقيل هو الصرع للوجه واليدين فالتاء حينئذ غير مبدلة وأو للتنويع( فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ )أي فينهزموا منقطعى الآمال غير فائزين من مبتغاهم بشيء كما في قوله تعالىوَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ )اعتراض وسط بين المعطوف عليه المتعلق بالعاجل والمعطوف المتعلق بالآجل لتحقيق أن لا تأثير للمنصورين إثر بيان أن لا تأثير للناصرين وتخصيص النفي برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على طريق تلوين الخطاب للدلالة على الانتفاء من غيره بالطريق الأولى وإنما خص الاعتراض بموقعه لأن ما قبله من القطع والكبت من مظان أن يكون فيه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولسائر مباشرى القتال مدخل في الجملة( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ )عطف على يكبتهم
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 82 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي