تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 56 ] فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 56 )
شرح
منهم أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة فقال المسيح للحواريين أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة فقال واحد منهم أنا يا نبي اللّه فألقى عليه مدرعة من صوف وعمامة من صوف وناوله عكازة وألقى عليه شبه عيسى عليه الصلاة والسلام فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه وأما عيسى عليه الصلاة والسلام فكساه اللّه الريش والنور وألبسه النور وقطع عنه شهوة المطعم والمشرب وذلك قوله تعالىإِنِّي مُتَوَفِّيكَفطار مع الملائكة ثم إن أصحابه حين رأوا ذلك تفرقوا ثلاث فرق فقالت فرقة كان اللّه فينا ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية وقالت فرقة أخرى كان فينا ابن اللّه ما شاء اللّه ثم رفعه اللّه إليه وهم النسطورية وقالت فرقة أخرى منهم كان فينا عبد اللّه ورسوله ما شاء اللّه ثم رفعه اللّه إليه وهؤلاء هم المسلمون فتظاهرت عليهم الفرقتان الكافرتان فقتلوهم فلم يزل الإسلام منطمسا إلى أن بعث اللّه تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلم( وَرافِعُكَ إِلَيَّ )أي إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي( وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا )أي من سوء جوارهم وخبث صحبتهم ودنس معاشرتهم( وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ )قال قتادة والربيع والشعبي ومقاتل والكلبي هم أهل الإسلام الذين صدقوه واتبعوا دينه من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من النصارى( فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا )وهم الذين مكروا به عليه الصلاة والسلام ومن يسير بسيرتهم من اليهود فإن أهل الإسلام فوقهم ظاهرين بالعزة والمنعة والحجة وقيل هم الحواريون فينبغي أن تحمل فوقيتهم على فوقية المسلمين بحكم الاتحاد في الإسلام والتوحيد وقيل هم الروم وقيل هم النصارى فالمراد بالاتباع مجرد الادعاء والمحبة وإلا فأولئك الكفرة بمعزل من اتباعه عليه الصلاة والسلام( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ )غاية للجعل أو للاستقرار المقدر في الظرف لا على معنى أن الجعل أو الفوقية تنتهى حينئذ ويتخلص الكفرة من الذلة بل على معنى أن المسلمين يعلونهم إلى تلك الغاية فأما بعدها فيفعل اللّه تعالى بهم ما يريد( ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ )أي رجوعكم بالبعث وثم للتراخى وتقديم الجار والمجرور للقصر المفيد لتأكيد الوعد والوعيد والضمير لعيسى عليه الصلاة والسلام وغيره من المتبعين له والكافرين به على تغليب المخاطب على الغائب في ضمن الالتفات فإنه أبلغ في التبشير والإنذار( فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ )يومئذ إثر رجوعكم إلى( فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )من أمور الدين وفيه متعلق بتختلفون وتقديمه عليه لرعاية الفواصل( فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً )تفسير للحكم الواقع بين الفريقين وتفصيل لكيفيته والبداية ببيان حال الكفرة لما أن مساق الكلام لتهديدهم وزجرهم عما هم عليه من الكفر والعناد وقوله تعالى( فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ )متعلق بأعذبهم لا بمعنى إيقاع كل واحد من التعذيب في الدنيا والتعذيب في الآخرة وإحداثهما يوم القيامة بل بمعنى إتمام مجموعهما يومئذ وقيل إن المرجع أعم من الدنيوي والأخروى وقوله تعالىإِلى يَوْمِ الْقِيامَةِغاية للفوقية لا للجعل والرجوع متراخ عن الجعل وهو غير محدود لا عن الفوقية المحدودة على نهج قولك سأعيرك سكنى هذا البيت شهرا ثم أخلع عليك خلعة فيلزم تأخر الخلع عن الإعارة لا عن الشهر( وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ )يخلصونهم من عذاب اللّه تعالى في الدارين وصيغة الجمع لمقابلة ضمير الجمع أي
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 44 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي