[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 41 ]
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 )
شرح
خطاب الملك من توهم أن علمه سبحانه بما يصدر عنه يتوقف على توسطه كما يتوقف وقوف البشر على ما يصدر عنه سبحانه على توسطه في عامة الأحوال وإن لم يتوقف عليه في بعضها( أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ )فيه دلالة على أنه قد أخبر بكونه غلاما عند التبشير كما في قوله تعالىإِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيىوأنى بمعنى كيف أو من أين وكان تامة وأنى واللام متعلقتان بها وتقديم الجار على الفاعل لما مر مرارا من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أخر أي كيف أو من أين يحدث لي غلام ويجوز أن تتعلق اللام بمحذوف وقع حالا من غلام إذ لو تأخر لكان صفة له أو ناقصة واسمها ظاهر وخبرها إما أنى واللام متعلقة بمحذوف كما مر أو هو الخبر وأنى منصوب على الظرفية( وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ )حال من ياء المتكلم أي أدركني كبر السن وأثر في كقولهم أدركته السن وأخذته السن وفيه دلالة على أن كبر السن من حيث كونه من طلائع الموت طالب للإنسان لا يكاد يتركه قيل كان له تسع وتسعون سنة وقيل اثنتان وتسعون وقيل مائة وعشرون وقيل ستون وقيل خمس وستون وقيل سبعون وقيل خمس وسبعون وقيل خمس وثمانون ولامرأته ثمان وتسعون( وَامْرَأَتِي عاقِرٌ )أي ذات عقر وهو أيضا حال من ياء لي عند من يجوز تعدد الحال أو من ياء بلغني أي كيف يكون لي ذلك والحال أنى وامرأتي على حالة منافية له كل المنافاة وإنما قاله عليه الصلاة والسلام مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينه بقدرة اللّه تعالى عليه لا سيما بعد مشاهدته عليه الصلاة والسلام للشواهد السالفة استعظاما لقدرة اللّه سبحانه وتعجيبا منها واعتدادا بنعمته عزّ وجل عليه في ذلك لا استبعادا له وقيل بل كان ذلك للاستبعاد حيث كان بين الدعاء والبشارة ستون سنة وكان قد نسي دعاءه وهو بعيد وقيل كان ذلك استفهاما عن كيفية حدوثه( قالَ )استئناف كما سلف( كَذلِكَ )إشارة إلى مصدر يفعل في قوله عزّ وجل( اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ )أي ما يشاء أن يفعله من تعاجيب الأفاعيل الخارقة للعادات فاللّه مبتدأ ويفعل خبره والكاف في محل النصب على أنها في الأصل نعت لمصدر محذوف أي اللّه يفعل ما يشاء أن يفعله فعلا مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذي هو خلق الولد من شيخ فان وعجوز عاقر فقدم على العامل لإفادة القصر بالنسبة إلى ما هو أدنى من المشار إليه واعتبرت الكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالىوَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاًأو على أنها حال من ضمير المصدر المقدر معرفة أي يفعل الفعل كائنا مثل ذلك أو في محل الرفع على أنها خبر والجلالة مبتدأ أي على نحو هذا الشأن البديع شأن اللّه تعالى ويفعل ما يشاء بيان لذلك الشأن المبهم أو كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقوله تعالىاللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُبيان له( قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً )أي علامة تدلني على تحقق المسؤول ووقوع الحبل وإنما سألها لأن العلوق أمر خفى لا يوقف عليه فأراد أن يطلعه اللّه تعالى عليه ليتلقى تلك النعمة الجليلة من حين حصولها بالشكر ولا