تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 114 إلى 115 ] لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( 114 ) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ( 115 )
شرح
( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ )أي في كثير من تناجى الناس( إِلَّا مَنْ أَمَرَ )أي إلا في نجوى من أمر( بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ )وقيل المراد بالنجوى المتناجون بطريق المجاز وقيل النجوى جمع نجى نقله الكرماني وأياما كان فالاستثناء متصل ويجوز الانقطاع أيضا على معنى لكن من أمر بصدقة الخ ففي نجواه الخير والمعروف كل ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل فينتظم أصناف الجميل وفنون أعمال البر وقد فسر هاهنا بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التطوع على أن المراد بالصدقة الصدقة الواجبة( أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ )عند وقوع المشاقة والمعاداة بينهم من غير أن يجاوز في ذلك حدود الشرع الشريف وبين إما متعلق بنفس إصلاح يقال أصلحت بين القوم أو بمحذوف هو صفة له أي كائن بين الناس عن أبي أيوب الأنصاري رضى اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال له ألا أدلك على صدقة خير لك من حمر النعم فقال بلى يا رسول اللّه قال تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا قالوا ولعل السر في إفراد هذه الأقسام الثلاثة بالذكر أن عمل الخير المتعدى إلى الناس إما لإيصال المنفعة أو لدفع المضرة والمنفعة إما جسمانية كإعطاء المال وإليه الإشارة بقوله تعالىإِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍوإما روحانية وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف وأما دفع الضرر فقد أشير إليه بقوله تعالىأَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ )إشارة إلى الأمور المذكورة أعنى الصدقة والمعروف والإصلاح فإنه يشار به إلى متعدد وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بها للإيذان ببعد منزلتها ورفعة شأنها وترتيب الوعد على فعلها إثر بيان خيرية الأمر بها لما أن المقصود الأصلي هو الترغيب في الفعل وبيان خيرية الأمر به للدلالة على خيريته بالطريق الأولى لما أن مدار حسن الأمر وقبحه حسن المأمور به وقبحه فحيث ثبت خيرية الأمر بالأمور المذكورة فخيرية فعلها أثبت وفيه تحريض للآمر بها على فعلها أو إشارة إلى الأمر بها كأنه قيل ومن يأمر بها والكلام في ترتيب الوعد على فعلها كالذي مر في الخيرية فإن استتباع الأمر بها للأجر العظيم إنما هو لكونه ذريعة إلى فعلها فاستتباعه له أولى وأحق( ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ )علة للفعل والتقييد به لأن الأعمال بالنيات وأن من فعل خيرا لغير ذلك لم يستحق به غير الحرمان( فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ )بنون العظمة على الالتفات وقرئ بالياء( أَجْراً عَظِيماً )يقصر عنه الوصف( وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ )التعرض لعنوان الرسالة لإظهار كمال شناعة ما اجترءوا عليه من المشاقة والمخالفة وتعليل الحكم الآتي بذلك( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى )ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات الدالة على نبوته( وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ )أي غير ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل وهو الدين القيم( نُوَلِّهِ