تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 96 ] دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 96 )
شرح
تعليلا لعدم الاستواء مسوقا لإثباته وفيه تعكيس ظاهر فإن الذي يحق أن يكون مقصودا بالذات إنما هو بيان تفاضل الفريقين على درجات متفاوتة . وأما عدم استوائهما فقصارى أمره أن يكون توطئة لذكره ولام المجاهدين والقاعدين للعهد فقيد كون الجهاد في سبيل اللّه معتبر في الأول كما أن قيد عدم الضرر معتبر في الثاني ودرجة نصب على المصدرية لوقوعها موقع المرة من التفضيل أي فضل اللّه تفضيلة أو على نزع الخافض أي بدرجة وقيل على التمييز وقيل على الحالية من المجاهدين أي ذوى درجة وتنوينها للتفخيم وقوله تعالى( وَكُلًّا )مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لإفادة القصر تأكيدا للوعد أي كل واحد من المجاهدين والقاعدين( وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى )أي المثوبة الحسنى وهي الجنة لا أحدهما فقط كما في قوله تعالىوَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًاعلى أن اللام متعلقة برسولا والجملة اعتراض جئ به تداركا لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول وقوله عزّ وجل( وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ )عطف على قوله تعالىفَضَّلَ اللَّهُالخ واللام في الفريقين مغنية لهما عن ذكر القيود التي تركت على سبيل التدريج وقوله تعالى( أَجْراً عَظِيماً )مصدر مؤكد لفضل على أنه بمعنى أجر وإيثاره على ما هو مصدر من فعله للإشعار بكون ذلك التفضيل أجرا لأعمالهم أو مفعول ثان له بتضمينه معنى الإعطاء أي أعطاهم زيادة على القاعدين أجرا عظيما وقيل هو منصوب بنزع الخافض أي فضلهم بأجر عظيم وقوله تعالى( دَرَجاتٍ )بدل من أجرا بدل الكل مبين لكمية التفضيل وقوله تعالى( مِنْهُ )متعلق بمحذوف وقع صفة لدرجات دالة على فخامتها وجلالة قدرها أي درجات كائنة منه تعالى قال ابن محيريز هي سبعون درجة ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين خريفا وقال السدى هي سبعمائة درجة وعن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال إن في الجنة مائة درجة أعدها اللّه تعالى للمجاهدين في سبيله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ويجوز أن يكون انتصاب درجات على المصدرية كما في قولك ضربه أسواطا أي ضربات كأنه قيل فضلهم تفضيلات وقوله تعالى( وَمَغْفِرَةً )بدل من أجرا بدل البعض لأن بعض الأجر ليس من باب المغفرة أي مغفرة لما يفرط منهم من الذنوب التي لا يسترها سائر الحسنات التي يأتي بها القاعدون أيضا حتى تعد من خصائصهم وقوله تعالى( وَرَحْمَةً )بدل الكل من أجرا مثل درجات ويجوز أن يكون انتصابهما بإضمار فعلهما أي غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة هذا ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة وتقييده تارة بدرجة وأخرى بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه حسبما يقتضيه الكلام ويستدعيه حسن النظام إما لتنزيل الاختلاف العنواني بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتي تمهيدا لسلوك طريق الإبهام ثم التفسير روما لمزيد التحقيق والتقرير كما في قوله تعالىوَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍكأنه قيل فضل اللّه المجاهدين على القاعدين درجة لا يقادر قدرها ولا يبلغ كنهها وحيث كان تحقق هذا البون البعيد بينهما موهما لحرمان القاعدين قيل وكلا وعد اللّه الحسنى ثم أريد تفسير ما أفاده