[ سورة النساء ( 4 ) : آية 60 ]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ( 60 )
شرح
به منكر والقياس وهو في الحقيقة دليل على حجيته كيف لا ورد المختلف فيه إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه وهو المعنى بالقياس ويؤيده الأمر به بعد الأمر بطاعة اللّه تعالى وبطاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم فإنه يدل على أن الأحكام ثلاثة ثابت بالكتاب وثابت بالسنة وثابت بالرد إليهما بالقياس( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )متعلق بالأمر الأخير الوارد في محل النزاع إذ هو المحتاج إلى التحذير من المخالفة وجواب الشرط محذوف عند جمهور البصريين ثقة بدلالة المذكور عليه أي إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر فردوه الخ فإن الإيمان بهما يوجب ذلك أما الإيمان باللّه تعالى فظاهر وأما الإيمان باليوم الآخر فلما فيه من العقاب على المخالفة( ذلِكَ )أي الرد المأمور به( خَيْرٌ )لكم وأصلح( وَأَحْسَنُ )في نفسه( تَأْوِيلًا )أي عاقبة ومآلا وتقديم خيريته لهم على أحسنيته في نفسه لما مر من تعلق أنظارهم بما ينفعهم والمراد بيان اتصافه في نفسه بالخيرية الكاملة والحسن الكامل في حد ذاته من غير اعتبار فضله على شئ يشاركه في أصل الخيرية والحسن كما ينبئ عنه التحذير السابق( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ )تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تعجيبا له من حال الذين يخالفون ما مر من الأمر المحتوم ولا يطيعون اللّه ولا رسوله ووصفهم بادعاء الإيمان بالقرآن وبما أنزل من قبله أعنى التوراة لتأكيد التعجيب وتشديد التوبيخ والاستقباح ببيان كمال المباينة بين دعواهم وبين ما صدر عنهم وقرئ الفعلان على البناء للفاعل وقوله عزّ وجل( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ )استئناف سيق لبيان محل التعجيب مبنى على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل ما ذا يفعلون فقيل يريدون الخ روى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ثم إنهما احتكما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقضى لليهودي فلم يرض به المنافق فدعاه إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه فقال اليهودي قضى لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلم يرض بقضائه فقال عمر للمنافق أهكذا قال نعم فقال عمر مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء اللّه وقضاء رسوله فنزلت فهبط جبريل عليه الصلاة والسلام وقال إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنت الفاروق فالطاغوت كعب بن الأشرف سمى به لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أو على التشبيه بالشيطان والتسمية باسمه أو جعل اختيار التحاكم إلى غير النبي صلّى اللّه عليه وسلم على التحاكم إليه تحاكما إلى الشيطان وقال الضحاك المراد بالطاغوت كهنة اليهود وسحرتهم وعن الشعبي أن المنافق دعا خصمه إلى كاهن في جهينة فتحاكما إليه وعن السدى أن الحادثة وقعت في قتيل بين بني قريظة والنضير فتحاكم المسلمون من الفريقين إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأبى المنافقون منهما إلا التحاكم إلى أبى بردة الكاهن الأسلمي فتحاكموا إليه فيكون الاقتصار حينئذ