تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 21 إلى 22 ] وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 21 ) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً ( 22 )
شرح
والجملة حالية بإضمار قد لا معطوفة على الشرط أي وقد آتيتم التي تريدون أن تطلقوها( قِنْطاراً )أي مالا كثيرا( فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ )أي من ذلك القنطار( شَيْئاً )يسيرا فضلا عن الكثير( أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً )استئناف مسوق لتقرير النهى والتنفير عن المنهى عنه والاستفهام للإنكار والتوبيخ أي أتأخذونه باهتين وآثمين أو للبهتان والإثم فإن أحدهم كان إذا تزوج امرأة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج الجديدة فنهوا عن ذلك والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه ويدهشه وقد يستعمل في الفعل الباطل ولذلك فسر هاهنا بالظلم وقوله عزّ وجل( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ )إنكار لأخذه إثر إنكار وتنفير عنه غب تنفير وقد بولغ فيه حيث وجه الإنكار إلى كيفية الأخذ إيذانا بأنه مما لا سبيل له إلى التحقق والوقوع أصلا لأن ما يدخل تحت الوجود لا بد أن يكون على حال من الأحوال فإذا لم يكن لشئ حال أصلا لم يكن له حظ من الوجود قطعا وقوله عزّ وجل( وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ )حال من فاعل تأخذونه مفيدة لتأكيد النكير وتقرير الاستبعاد أي على أي حال أو في أي حال تأخذونه والحال أنه قد جرى بينكم وبينهن أحوال منافية له من الخلوة وتقرر المهر وثبوت حق خدمتهن لكم وغير ذلك( وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً )عطف على ما قبله داخل في حكمه أي أخذن منكم عهدا وثيقا وهو حق الصحبة والمعاشرة أو ما أوثق اللّه تعالى عليهم في شأنهن بقوله تعالىفَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍأو ما أشار إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم بقوله أخذتموهن بأمانة اللّه واستحللم فروجهن بكلمة اللّه تعالى( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ )شروع في بيان من يحرم نكاحها من النساء ومن لا يحرم وإنما خص هذا النكاح بالنهى ولم ينظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغة في الزجر عنه حيث كانوا مصرين على تعاطيه قال ابن عباس وجمهور المفسرين كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك واسم الآباء ينتظم الأجداد مجازا فتثبت حرمة ما نكحوها نصا وإجماعا ويستقل في إثبات هذه الحرمة نفس النكاح إذا كان صحيحا وأما إذا كان فاسدا فلا بد في إثباتها من الوطء أو ما يجرى مجراه من التقبيل والمس بشهوة ونحوهما بل هو المثبت لها في الحقيقة حتى لو وقع شئ من ذلك بحكم ملك اليمين أو بالوجه المحرم تثبت به الحرمة عندنا خلافا للشافعي في المحرم أي لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم وإيثار ما على من للذهاب إلى الوصف وقيل ما مصدرية على إرادة المفعول من المصدر( مِنَ النِّساءِ )بيان لما نكح على الوجهين( إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ )استثناء مما نكح مفيد للمبالغة في التحريم بإخراج الكلام مخرج التعليق بالمحال على طريقة قوله[ ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب ]والمعنى لا تنكحوا حلائل آبائكم إلا من ماتت منهن والمقصود سد طريق الإباحة بالكلية ونظيره قوله تعالىحَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِوقيل هو استثناء مما يستلزمه النهى ويستوجبه مباشرة المنهى عنه
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 159 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي