تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 175 إلى 176 ] إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 ) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 176 )
شرح
بالتثبيت وزيادة الإيمان والتوفيق للمبادرة إلى الجهاد والتصلب في الدين وإظهار الجراءة على العدو وحفظهم عن كل ما يسوءهم مع إصابة النفع الجليل وفيه تحسير لمن تخلف عنهم وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء وروى أنهم قالوا هل يكون هذا غزوا فأعطاهم اللّه تعالى ثواب الغزو ورضى عنهم( إِنَّما ذلِكُمُ )إشارة إلى المثبط أو إلى من حمله على التثبيط والخطاب للمؤمنين وهو مبتدأ وقوله تعالى( الشَّيْطانُ )إما خبره وقوله تعالى( يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ )جملة مستأنفة مبينة لشيطنته أو حال كما في قوله تعالىفَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةًالخ وإما صفته والجملة خبره ويجوز أن تكون الإشارة إلى قوله على تقدير مضاف أي إنما ذلكم قول الشيطان أي إبليس والمستكن في يخوف إما المقدر وإما الشيطان بحذف الراجع إلى المقدر أي يخوف به والمراد بأوليائه إما أبو سفيان وأصحابه فالمفعول الأول محذوف أي يخوفكم أولياءه كما هو قراءة ابن عباس وابن مسعود ويؤيده قوله تعالى( فَلا تَخافُوهُمْ )أي أولياءه( وَخافُونِ )في مخالفة أمرى وإما القاعدون فالمفعول الثاني محذوف أي يخوفهم الخروج مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والضمير البارز في فلا تخافوهم للناس الثاني أي فلا تخافوهم فتقعدوا عن القتال وتجبنوا وخافونى فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به والخطاب لفريقى الخارجين والقاعدين والفاء لترتيب النهى أو الانتهاء على ما قبلها فإن كون المخوف شيطانا مما يوجب عدم الخوف والنهى عنه( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )فإن الإيمان يقتضى إيثار خوف اللّه تعالى على خوف غيره ويستدعى الأمن من شر الشيطان وأوليائه( وَلا يَحْزُنْكَ )تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لتشريفه بتخصيصه بالتسلية والإيذان بأصالته في تدبير أمور الدين والاهتمام بشئونه( الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ )أي يقعون فيه سريعا لغاية حرصهم عليه وشدة رغبتهم فيه وإيثار كلمة في علي ما وقع في قوله تعالىوَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍالآية للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله تعالىأُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِفإن ذلك مؤذن بملابستهم للخيرات وتقلبهم في فنونها في طرفي المسارعة وتضاعيفها وأما إيثار كلمة إلى في قوله تعالىوَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍالخ فلأن المغفرة والجنة منتهى المسارعة وغايتها والمراد بالموصول المنافقون من المتخلفين وطائفة من اليهود حسبما عين في قوله تعالىيا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُواوقيل قوم ارتدوا عن الإسلام والتعبير عنهم بذلك للإشارة بما في حيز الصلة إلى مظنة وجود المنهى عنه واعترائه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أي لا يحزنوك بمسارعتهم في الكفر ومبادرتهم إلى تمشية أحكامه ومظاهرتهم لأهله وتوجيه النهى إلى جهتهم مع أن المقصود نهيه عليه الصلاة والسلام عن التأثر منهم للمبالغة في ذلك لما أن