[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 161 ]
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 )
شرح
الكريم وإن كان نفى مغلوبيتهم من غير تعرض لنفى المساواة أيضا وهو الذي يقتضيه المقام لكن المفهوم منه فهما قطعيا هو نفى المساواة وإثبات الغالبية للمخاطبين فإذا قلت لا أكرم من فلان أو لا أفضل منه فالمفهوم منه حتما أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل وهذا أمر مطرد في جميع اللغات ولا اختصاص له بالنفي الصريح بل هو مطرد فيما ورد على طريق الاستفهام الإنكارى كما في قوله تعالىوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً *في مواقع كثيرة من التنزيل ومما هو نص قاطع فيما ذكرنا ما وقع في سورة هود حيث قيل بعده في حقهم لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون فإن كونهم أخسر من كل خاسر يستدعى قطعا كونهم أظلم من كل ظالم( وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ )كما فعل يوم أحد وقرئ يخذلكم من أخذله إذا جعله مخذولا( فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ )استفهام إنكاري مفيد لانتفاء الناصر ذاتا وصفة بطريق المبالغة( مِنْ بَعْدِهِ )أي من بعد خذلانه تعالى أو من بعد اللّه تعالى على معنى إذا جاوزتموه( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )تقديم الجار والمجرور على الفعل لإفادة قصره عليه تعالى والفاء لترتيبه أو ترتيب الأمر به على ما مر من غلبة المخاطبين على تقدير نصرته تعالى لهم ومغلوبيتهم على تقدير خذلانه تعالى إياهم فإن العلم بذلك مما يقتضى قصر التوكل عليه تعالى لا محالة والمراد بالمؤمنين إما الجنس والمخاطبون داخلون فيه دخولا أوليا وإما هم خاصة بطريق الالتفات وأيا ما كان ففيه تشريف لهم بعنوان الإيمان اشتراكا أو استقلالا وتعليل لتحتم التوكل عليه تعالى فإن وصف الإيمان مما يوجبه قطعا( وَما كانَ لِنَبِيٍّ )أي وما صح لنبي من الأنبياء ولا استقام له( أَنْ يَغُلَّ )أي يخون في المغنم فإن النبوة تنافيه منافاة بينة يقال غل شيئا من المغنم يغل غلولا وأغل إغلالا إذا أخذه خفية والمراد إما تنزيه ساحة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عما ظن به الرماة يوم أحد حين تركوا المركز وأفاضوا في الغنيمة وقالوا نخشى أن يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من أخذ شيئا فهو له ولا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر فقال لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمرى فقالوا تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال عليه السلام بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم بينكم وإما المبالغة في النهى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على ما روى أنه بعث طلائع فغنم النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعدهم غنائم فقسمها بين الحاضر ولم يترك للطلائع شيئا فنزلت . والمعنى ما كان لنبي أن يعطى قوما من العسكر ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بين الكل بالسوية وعبر عن حرمان بعض الغزاة بالغلول تغليظا وأما ما قيل من أن المراد تنزيهه عليه السلام عما تفوه به بعض المنافقين إذ روى أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين لعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أخذها فبعيد جدا وقرئ على البناء للمفعول والمعنى ما كان له أن يوجد غالا أو ينسب إلى الغلول( وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ )يأت بالذي غله بعينه بحمله على عنقه كما ورد في الحديث الشريف وروى أنه عليه السلام قال ألا لا أعرفن أحدكم يأتي ببعير له رغاء وببقرة لها خوار وبشاة لها ثغاء فينادى يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من اللّه شيئا فقد بلغتك أو يأت