تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
أوجب أن يأنف لها قومها وله قومه ، فوقع قتال ، فنزلت الآية بسببه . وقرأ الجمهور :
اقْتَتَلُوا
جمعا ، حملا على المعنى ، لأن الطائفتين في معنى القوم والناس . وقرأ ابن أبي عبلة : اقتتلتا ، على لفظ التثنية ؛ وزيد بن عليّ ، وعبيد بن عمير : اقتتلتا على التثنية ، مراعى بالطائفتين . الفريقان اقتتلوا ، وكل واحد من الطائفتين باغ ؛ فالواجب السعي بينهما بالصلح ، فإن لم تصطلحا وأقامتا على البغي قوتلتا ، أو لشبهة دخلت عليهما ، وكل منهما يعتقد أنه على الحق ؛ فالواجب إزالة الشبه بالحجج النيرة والبراهين القاطعة ، فإن لجأ ، فكالباغيتين ؛
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما
، فالواجب أن تقاتل حتى تكف عن البغي . ولم تتعرض الآية من أحكام التي تبغي لشيء إلا لقتالها ، وإلى الإصلاح إن فاءت . والبغي هنا : طلب العلو بغير الحق ، والأمر في فأصلحوا وقاتلوا هو لمن له الأمر من الملوك وولاتهم . وقرأ الجمهور :
حَتَّى تَفِيءَ
، مضارع فاء بفتح الهمزة ؛ والزهري : حتى تفي ، بغير همزة وفتح الياء ، وهذا شاذ ، كما قالوا في مضارع جاء يجي بغير همز ، فإذا أدخلوا الناصب فتحوا الياء أجروه مجرى يفي مضارع وفي شذوذا .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
: أي إخوة في الدين . وفي الحديث : « المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله » . وقرأ الجمهور :
بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
مثنى ، لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان ، فإذا كان الإصلاح لازما بين اثنين ، فهو ألزم بين أكثر من اثنين . وقيل : المراد بالأخوين : الأوس والخزرج . وقرأ زيد بن ثابت ، وابن مسعود ، والحسن : بخلاف عنه ؛ والجحدري ، وثابت البناني ، وحماد بن سلمة ، وابن سيرين : بين إخوانكم جمعا ، بالألف والنون ، والحسن أيضا ، وابن عامر في رواية ، وزيد بن عليّ ، ويعقوب : بين إخوتكم جمعا ، على وزن غلمة . وروى عبد الوهاب عن أبي عمرو القراءات الثلاث ، ويغلب الأخوان في الصداقة ، والإخوة في النسب ، وقد يستعمل كل منهما مكان الآخر ، ومنه
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
، وقوله :
أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ
« 1 » .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ
: هذه الآية والتي بعدها تأديب للأمّة ، لما كان فيه أهل الجاهلية من هذه الأوصاف الذميمة التي وقع النهي عنها . وقيل : نزلت بسبب عكرمة بن أبي جهل ، كان يمشي بالنميمة ، وقد أسلم ، فقال له قوم : هذا ابن فرعون هذه الأمة ، فعز ذلك عليه وشكاهم ، فنزلت . وقوم مرادف رجال ، كما قال تعالى :
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ
« 2 » ، ولذلك قابله هنا بقوله :
وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ
، وفي قول زهير :
هامش
( 1 ) سورة النور : 24 / 61 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 34 .