تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
لما بين تعالى أن الدعاء إلى دين اللّه أعظم القربات ، وأنه يحصل ذلك بذكر دلائل التوحيد والعدل والبعث ، عاد إلى تهديد من ينازع في تلك الآيات ويجادل ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا
، وتقدم الكلام على الإلحاد في قوله :
وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ
« 1 » ، وذكر تعالى أنهم لا يخفون عليه ، وفي ذلك تهديد لهم . وقال قتادة : هنا الإلحاد : التكذيب ، ومجاهد : المكاء والصفير واللغو . وقال ابن عباس : وضع الكلام غير موضعه . وقال أبو مالك : يميلون عن آياتنا . وقال السدي : يعاندون رسلنا فيما جاءوا فيه من البينات والآيات . ثم استفهم تقريرا :
أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ
، بإلحاده في آياتنا ،
خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً
، ولا اشتراك بين الإلقاء في النار والإتيان آمنا ، لكنه ، كما قلنا ، استفهام تقرير ، كما يقرر المناظر خصمه على وجهين ، أحدهما فاسد يرجو أن يقع في الفاسد فيتضح جهله ، ونبه بقوله :
يُلْقى فِي النَّارِ
على مستقر الأمر ، وهو الجنة ، وبقوله :
آمِناً
على خوف الكافر وطول وجله ، وهذه الآية ، قال ابن بحر : عامة في كل كافر ومؤمن . وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل وعثمان بن عفان . وقيل : فيه وفي عمار بن ياسر . وقيل : فيه وفي عمر . وقيل : في أبي جهل وحمزة بن عبد المطلب . وقال الكلبي : وأبو جهل والرسول صلى اللّه عليه وسلم . ولما تقدم ذكر الإلحاد ، ناسب أن يتصل به من التقرير من اتصف به . ولم يكن التركيب : أم من يأتي آمنا يوم القيامة كمن يلقى في النار ، كما قدم ما يشبهه في قوله :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى
« 2 » ، وكما جاء في سورة القتال :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
« 3 » .
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
: وعيد وتهديد بصيغة الأمر ، ولذا جاء
إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
فيجازيكم بأعمالكم .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ
: هم قريش ومن تابعهم من الكفار غيرهم ، والذكر : القرآن هو بإجماع ، وخبر إن اختلفوا فيه أمذكور هو أو محذوف ؟ فقيل : مذكور ، وهو قوله :
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
، وهو قول أبي عمرو بن العلاء في حكاية جرت بينه وبين بلال بن أبي بردة . سئل بلال في مجلسه عن هذا فقال : لم أجد لها نفاذا ، فقال له أبو عمرو : إنه منك لقريب
أُولئِكَ يُنادَوْنَ
. وقال الحوفي : ويرد على هذا القول كثرة الفصل ، وأنه ذكر هناك من تكون الإشارة إليهم ، وهو قوله :
وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 180 . ( 2 ) سورة الرعد : 13 / 19 . ( 3 ) سورة محمد : 47 / 14 .