ذلك سخونة ، فارتفع زبد ودخان ، أما الزبد فبقي على وجه الماء ، فخلق اللّه منه اليبوسة وأحدث منه الأرض ؛ وأما الدخان فارتفع وعاد فخلق اللّه منه السماوات . وفيه أيضا أنه خلق السماء من أجزاء مظلمة . انتهى . وروي أنها كانت جسما رخوا كالدخان أو البخار . قال ابن عطية : هنا لفظ متروك يدل عليه الظاهر ، وتقديره : فأوجدها وأتقنها وأكمل أمورها ، وحينئذ
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا
. انتهى ، فجعل ابن عطية هذه المحاورة بين الباري تعالى والأرض والسماء بعد خلق الأرض والسماء ، ورجح قول من ذهب إلى أنهما نطقتا نطقا حقيقيا ، وجعل اللّه لهما حياة وإدراكا يقتضي نطقهما ، بعد أن ذكر أن المفسرين منهم من ذهب إلى أن ذلك مجاز ، وأنه ظهر منهما عن اختيار الطاعة والتذلل والخضوع ما هو بمنزلة القول ، قال : والقول الأول أحسن ، لأنه لا شيء يدفعه ، وأن العبرة فيه أتم ، والقدرة فيه أظهر . انتهى .
وقال الزمخشري : ويعني أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما أنه أراد تكوينهما ، فلم يمتنعا عليه ، ووجدتا كما أرادهما ، وجاءتا في ذلك كالمأمور المطيع ، إذ أورد عليه فعل الآمر فيه . على أن اللّه تعالى كلم السماء والأرض وقال لهما :
ائْتِيا
، شئتما ذلك أو أبيتما ، فقالتا : آتينا على الطوع لا على الكره . والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير ، من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب ، ونحوه قول القائل : قال الجدار للوتد : لم تشقني ؟ قال الوتد : سل من يدقني ، فلم يتركني وراء الحجر الذي ورائي . فإن قلت : لم ذكر السماء مع الأرض وانتظمهما في الأمر بالإتيان ، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين ؟ قلت : قد خلق جرم الأرض أولا غير مدحوة ، ثم دحاها بعد خلق السماء ، كما قال :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
« 1 » ، فالمعنى : ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف ؛ ائت يا أرض مدحوة قرارا ومهادا لأهلك ، وائت يا سماء مقببة سقفا لهم . ومعنى الإتيان : الحصول والوقوع ، كما يقول : أتى عمله مرضيا مقبولا . ويجوز أن يكون المعنى : لتأت كل واحدة صاحبتها الإتيان الذي أريده وتقتضيه الحكمة ، والتدبير من كون الأرض قرارا للسماء ، وكون السماء سقفا للأرض ، وينصره قراءة من قرأ : أتيا وأتينا من المواتاة ، وهي الموافقة ، أي لتوات كل واحدة أختها ولتوافقها ، قالتا : وافقنا وساعدنا .
ويحتمل وافقا أمري ومشيئتي ولا تمتنعا . فإن قلت : ما معنى طوعا أو كرها ؟ قلت : هو مثل للزوم تأثير قدرته فيهما ، وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال ، كما يقول الجبار لمن يحب
هامش
( 1 ) سورة النازعات : 79 / 30 .