تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
أمرت على أمرت وهما واحد ؟ قلت : ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما ، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء ، والأمر به لتحرز به قصب السبق في الدين شيء . وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين ، ولك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في أردت ، لأن أفعل لا تزاد إلا مع أن خاصة دون الاسم الصريح ، كأنها زيدت عوضا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه ، كما عوض السين في اسطاع عوضا من ترك الأصل الذي هو أطوع . والدليل على هذا الوجه مجيئه بغير لام في قوله :
أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ
« 1 » . انتهى . ويحتمل في أن أكون في ثلاثة المواضع أصله لأن أكون ، فيكون قد حذفت اللام ، والمأمور به محذوف ، وهو المصرح به هنا
إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ
.
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
: تقدّم الكلام على هذه الجملة مقول القول في سورة يونس . لما أمره أولا أن يخبر بأنه أمر بعبادة اللّه ، أمر ثانيا أن يخبر بأنه يعبد اللّه وحده . وتقديم الجلالة دال على الاهتمام بمن يعبد ، وعند الزمخشري يدل على الاختصاص ، قال : ولدلالته على ذلك ، قدم المعبود على فعل العبادة ، وأخره في الأول . فالكلام أولا واقع في الفعل في نفسه وإيجاده ، وثانيا فيمن يفعل الفعل لأجله ، ولذلك رتب عليه قوله :
فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ
. والمراد بهذا الأمر الوارد على وجه التخيير المبالغة في الخذلان والتخلية . انتهى . وقال غيره :
فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ
: صيغة أمر على جهة التهديد لقوله :
قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ
« 2 » .
قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ
: أي حقيقة الخسران ،
الَّذِينَ خَسِرُوا
: أي هم الذين خسروا أنفسهم ، حيث صاروا من أهل النار ،
وَأَهْلِيهِمْ
: الذين كانوا معهم في الدنيا ، حيث كانوا معهم في النار ، فلم ينتفعوا منهم بشيء ، وإن كان أهلوهم قد آمنوا ، فخسرانهم إياهم كونهم لا يجتمعون بهم ولا يرجعون إليهم . وقال قتادة : كأن اللّه قد أعد لهم أهلا في الجنة فخسروهم ، وقال معناه ميمون بن مهران . وقال الحسن : هي الحور العين ، ثم ذكر ذلك الخسران وبالغ فيه في التنبيه عليه أولا ، والإشارة إليه ، وتأكيده بالفعل ، وتعريفه بال ، ووصفه بأنه المبين : أي الواضح لمن تأمله أدنى تأمل . ولما ذكر خسرانهم أنفسهم وأهليهم ، ذكر حالهم في جهنم ، وأنه من فوقهم ظلل ومن تحتهم ظلل ، فيظهر أن النار تغاشهم من فوقهم ومن تحتهم ، وسمى ما تحتهم ظللا
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 14 . ( 2 ) سورة الزمر : 8 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 191 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل