تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
الإفراد ، كما ذكرناه عن سيبويه ، وكما دل عليه كلام الفراء ؛ وجوز أن يكون في خشعا ضمير ، وأبصارهم بدل منه . وقرئ : خشع أبصارهم ، وهي جملة في موضع الحال ، وخشع خبر مقدم ، وخشوع الأبصار كناية عن الذلة ، وهي في العيون أظهر منها في سائر الجوارح ؛ وكذلك أفعال النفس من ذلة وعزة وحياء وصلف وخوف وغير ذلك .
كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ
: جملة حالية أيضا ، شبههم بالجراد في الكثرة والتموج ، ويقال : جاءوا كالجراد في الجيش الكثير المتموج ، ويقال : كالذباب . وجاء تشبيههم أيضا بالفراش المبثوث ، وكل من الجراد والفراش في الخارجين يوم الحشر شبه منهما . وقيل : يكونون أولا كالفراش حين يموجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون ، لأن الفراش لا جهة له يقصدها ، ثم كالجراد المنتشر إذا توجهوا إلى المحشر والداعي ، فهما تشبيهان باعتبار وقتين ، قال معناه مكي بن أبي طالب .
مُهْطِعِينَ
، قال أبو عبيدة : مسرعين ، ومنه قوله :
بدجلة دارهم ولقد أراهم * بدجلة مهطعين إلى السماع
زاد غيره : مادّي أعناقهم ، وزاد غيره : مع هز ورهق ومد بصر نحو المقصد ، إما لخوف أو طمع ونحوه . وقال قتادة : عامدين . وقال الضحاك : مقبلين . وقال عكرمة : فاتحين آذانهم إلى الصوت . وقال ابن عباس : ناظرين . ومنه قول الشاعر :
تعبدني نمر بن سعد وقد أرى * ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع
وقيل : خافضين ما بين أعينهم . وقال سفيان : خاشعة أبصارهم إلى السماء .
يَوْمٌ عَسِرٌ
، لما يشاهدون من مخايل هوله ، وما يرتقبون من سوء منقلبهم فيه .
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ
: أي قبل قريش ،
قَوْمُ نُوحٍ
وفيه وعيد لقريش وضرب مثل لهم . ومفعول كذبت محذوف ، أي كذبت الرسل ، فكذبوا نوحا عليه السلام . لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا ، كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل . ويجوز أن يكون المحذوف نوحا أول مجيئه إليهم ، فكذبوه تكذيبا يعقبه تكذيب . كلما مضى منهم قرن مكذب ، تبعه قرن مكذب . وفي لفظ عبدنا تشريف وخصوصية بالعبودية ، كقوله تعالى :
وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ
« 1 » ،
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ
« 2 » .
وَقالُوا مَجْنُونٌ
: أي هو مجنون . لما رأوا الآيات الدالة على صدقه قالوا : هو مصاب الجن ، لم يقنعوا بتكذيبه حتى نسبوه إلى الجنون ، أي يقول ما لا يقبله عاقل ، وذلك مبالغة في تكذيبهم .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : 8 / 41 . ( 2 ) سورة الإسراء : 17 / 1 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 37 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل