ومناسبة أول السورة لآخر ما قبلها ظاهرة ، قال :
أَزِفَتِ الْآزِفَةُ
« 1 » ، وقال :
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
. وممن عاين انشقاق القمر ابن مسعود وجبير بن مطعم ، وأخبر به ابن عمر وأنس وحذيفة وابن عباس .
وحين أرى اللّه الناس انشقاق القمر ، قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم :
« اشهدوا » ، وقال المشركون إذ ذاك : سحرنا محمد . وقال بعضهم : سحر القمر .
والأمة مجمعة على خلاف من زعم أن قوله :
وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
معناه : أنه ينشق يوم القيامة ، ويرده من الآية قوله :
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
. فلا يناسب هذا الكلام أن يأتي إلا بعد ظهور ما سألوه معينا من انشقاق القمر . وقيل : سألوا آية في الجملة ، فأراهم هذه الآية السماوية ، وهي من أعظم الآيات ، وذلك التأثير في العالم العلوي . وقرأ حذيفة :
وقد انشق القمر ، أي اقتربت ، وتقدم من آيات اقترابها انشقاق القمر ، كما تقول : أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه . وخطب حذيفة بالمدائن ، ثم قال : ألا إن الساعة قد اقتربت ، وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم ، ولا التفات إلى قول الحسن أن المعنى : إذ جاءت الساعة انشق القمر بعد النفخة الثانية ، ولا إلى قول من قال : إن انشقاقه عبارة عن انشقاق الظلمة عند طلوعه في أثنائها ، فالمعنى : ظهر الأمر ، فإن العرب تضرب بالقمر مثلا فيما وضح ، كما يسمى الصبح فلقا عند انفلاق الظلمة عنه ، وقد يعبر عن الانفلاق بالانشقاق . قال النابغة :
فلما أدبروا ولهم دويّ * دعانا عند شق الصبح داعي
وهذه أقوال فاسدة ، ولولا أن المفسرين ذكروها ، لأضربت عن ذكرها صفحا .
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا
، وقرئ : وإن يروا مبنيا للمفعول : أي من شأنهم وحالتهم أنهم متى رأوا ما يدل على صدق الرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الآيات الباهرة أعرضوا عن الإيمان به وبتلك الآية . وجاءت الجملة شرطية ليدل على أنهم في الاستقبال على مثل حالهم في الماضي ، ويقولوا :
سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
: أي دائم ، ومنه قول الشاعر :
ألا إنما الدنيا ليال وأعصر * وليس على شيء قويم بمستمر
لما رأوا الآيات متوالية لا تنقطع ، قالوا ذلك . وقال أبو العالية والضحاك والأخفش :
مستمر : مشدود موثق من مرائر الحبل ، أي سحر قد أحكم ، ومنه قول الشاعر :
حتى استمرت على سر مريرته * صدق العزيمة لا ريا ولا ضرعا
هامش
( 1 ) سورة النجم : 53 / 57 .