للبشرات محرقة للجلود مسوّدة لها ، والبشر جمع بشرة ، وتقول العرب : لاحت النار الشيء إذا أحرقته وسوّدته . وقال الحسن وابن كيسان : لوّاحة بناء مبالغة من لاح إذا ظهر ، والمعنى أنها تظهر للناس ، وهم البشر ، من مسيرة خمسمائة عام ، وذلك لعظمها وهولها وزجرها ، كقوله تعالى :
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ
« 1 » ، وقوله :
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى
« 2 » . وقرأ الجمهور :
لَوَّاحَةٌ
بالرفع ، أي هي لوّاحة . وقرأ العوفي وزيد بن عليّ والحسن وابن أبي عبلة : لواحة بالنصب على الحال المؤكدة ، لأن النار التي لا تبقي ولا تذر لا تكون إلا مغيرة للأبشار . وقال الزمخشري : نصبا على الاختصاص للتهويل .
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
: التمييز محذوف ، والمتبادر إلى الذهن أنه ملك . ألا ترى العرب وهم الفصحاء كيف فهموا منه أن المراد ملك حين سمعوا ذلك ؟ فقال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمّهاتكم ، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم ، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم ؟ فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي ، وكان شديد البطش : أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين ، فأنزل اللّه تعالى :
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً
أي ما جعلناهم رجالا من جنسكم يطاقون ، وأنزل اللّه تعالى في أبي جهل
أَوْلى لَكَ فَأَوْلى *
« 3 » . وقيل : التمييز المحذوف صنفا من الملائكة ، وقيل : نقيبا ، ومعنى عليها يتولون أمرها وإليهم جماع زبانيتها ، فالذي يظهر من العدد ومن الآية بعد ذلك ومن الحديث أن هؤلاء هم النقباء . ألا ترى إلى قوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
،
وقوله عليه الصلاة والسلام : « يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها » ؟
وقد ذكر المفسرون من نعوت هؤلاء الملائكة وخلقهم وقوتهم ، وما أقدرهم اللّه تعالى عليه من الأفعال ما اللّه أعلم بصحته ، وكذلك ذكر أبو عبد اللّه الرازي حكما على زعمه في كون هؤلاء الملائكة على هذا العدد المخصوص يوقف عليها في تفسيره .
وقرأ الجمهور :
تِسْعَةَ عَشَرَ
مبنيين على الفتح على مشهور اللغة في هذا العدد .
وقرأ أبو جعفر وطلحة بن سليمان : بإسكان العين ، كراهة توالي الحركات . وقرأ أنس بن مالك وابن عباس وابن قطيب وإبراهيم بن قنة : بضم التاء ، وهي حركة بناء عدل إليها عن الفتح لتوالي خمس فتحات ، ولا يتوهم أنها حركة إعراب ، لأنها لو كانت حركة إعراب
هامش
( 1 ) سورة التكاثر : 102 / 6 .
( 2 ) سورة النازعات : 79 / 36 .
( 3 ) سورة القيامة : 75 / 34 .