تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
عبر بالقراءة عن الصلاة لأنها بعض أركانها ، كما عبر عنها بالقيام والركوع والسجود ، أي فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل . قيل : وهذا ناسخ للأول ، ثم نسخا جميعا بالصلوات الخمس . وهذا الأمر بقوله :
فَاقْرَؤُا
، قال الجمهور : أمر إباحة ، وقال ابن جبير وجماعة : هو فرض لا بد منه ، ولو خمسين آية . وقال الحسن وابن سيرين : قيام الليل فرض ، ولو قدر حلب شاة . وقيل : هو أمر بقراءة القرآن بعينها ، لا كناية عن الصلاة . وإذا كان المراد : فاقرءوا في الصلاة ما تيسر ، فالظاهر أنه لا يتعين ما يقرأ ، بل إذا قرأ ما تيسر له وسهل عليه أجزأه وقدره ، وأبو حنيفة بآية ، حكاه عنه الماوردي ؛ وبثلاث . حكاه ابن العربي ؛ وعين مالك والشافعي ما تيسر ، قالا : هو فاتحة الكتاب ، لا يعدل عنها ولا يقتصر على بعضها .
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى
: بيان لحكمة النسخ ، وهي تعذر القيام على المرضى ، والضاربين في الأرض للتجارة ، والمجاهدين في سبيل اللّه ،
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ
، كرر ذلك على سبيل التوكيد . ثم أمر بعمودي الإسلام البدني والمالي ، ثم قال :
وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
: العطف يشعر بالتغاير ، فقوله :
وَآتُوا الزَّكاةَ
أمر بأداء الواجب ،
وَأَقْرِضُوا اللَّهَ
: أمر بأداء الصدقات التي يتطوع بها . وقرأ الجمهور :
هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً
بنصبهما ، واحتمل هو أن يكون فصلا ، وأن يكون تأكيدا لضمير النصب في
تَجِدُوهُ
. ولم يذكر الزمخشري والحوفي وابن عطية في إعراب هو إلا الفصل . وقال أبو البقاء : هو فصل ، أو بدل ، أو تأكيد . فقوله : أو بدل ، وهم لو كان بدلا لطابق في النصب فكان يكون إياه . وقرأ أبو السمال وابن السميفع : هو خير وأعظم ، برفعهما على الابتداء أو الخبر . قال أبو زيد : هو لغة بني تميم ، يرفعون ما بعد الفاصلة ، يقولون : كان زيد هو العاقل بالرفع ، وهذا البيت لقيس بن ذريح وهو :
نحن إلى ليلى وأنت تركتها * وكنت عليها بالملا أنت أقدر
قال أبو عمرو الجرمي : أنشد سيبويه هذا البيت شاهدا للرفع والقوافي مرفوعة . ويروى : أقدر . وقال الزمخشري : وهو فصل وجاز وإن لم يقع بين معرفتين ، لأن أفعل من أشبه في امتناعه من حرف التعريف المعرفة . انتهى . وليس ما ذكر متفقا عليه . ومنهم من أجازه ، وليس أفعل من أحكام الفصل ومسائله ، والخلاف الوارد فيها كثير جدا ، وقد جمعنا فيه كتابا سميناه بالقول الفصل في أحكام الفصل ، وأودعنا معظمه شرح التسهيل من تأليفنا .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 321 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل