تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
قولهم : عسل ناصح ، أي خالص من الشمع ، أو من النصاحة وهي الخياطة ، أي قد أحكمها وأوثقها ، كما يحكم الخياط الثوب بخياطته وتوثيقه . و سمع عليّ أعرابيا يقول : اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك ، فقال : يا هذا إن سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين ، قال : وما التوبة ؟ قال : يجمعها ستة أشياء : على الماضي من الذنوب الندامة ، وعلى الفرائض الإعادة ، ورد المظالم واستحلال الخصوم ، وأن يعزم على أن لا يعودوا ، وأن تدئب نفسك في طاعة اللّه كما أدأبتها في المعصية ، وأن تذيقها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعاصي ، وعن حذيفة : بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه . انتهى . ونصوحا من نصح ، فاحتمل - وهو الظاهر - أن تكون التوبة تنصح نفس التائب ، واحتمل أن يكون متعلق النصح الناس ، أي يدعوهم إلى مثلها لظهور أمرها على صاحبها . وقرأ زيد بن علي : توبا بغير تاء ، ومن قرأ بالضم جاز أن يكون مصدرا وصف كما قدمناه ، وجاز أن يكون مفعولا له ، أي توبوا لنصح أنفسكم . وقرأ الجمهور :
وَيُدْخِلَكُمْ
عطفا على
أَنْ يُكَفِّرَ
. وقال الزمخشري : عطفا على محل عسى أن يكفر ، كأنه قيل : توبوا يوجب تكفير سيئاتكم ويدخلكم . انتهى . والأولى أن يكون حذف الحركة تخفيفا وتشبيها لما هو من كلمتين بالكلمة الواحدة ، تقول في قمع ونطع : قمع ونطع .
يَوْمَ لا يُخْزِي
منصوب يدخلكم ، ولا يخزي تعريض بمن أخزاهم اللّه من أهل الكفر ، والنبي هو محمد رسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي الحديث أنه صلّى اللّه عليه وسلّم تضرع إلى اللّه عزّ وجل في أمر أمته فأوحى اللّه تعالى إليه : إن شئت جعلت حسابهم إليك ، فقال : « يا رب أنت أرحم بهم » ، فقال تعالى : إذا لا أخزيك فيهم . وجاز أن يكون :
وَالَّذِينَ
معطوفا على
النَّبِيَّ
، فيدخلون في انتفاء الخزي . وجاز أن يكون مبتدأ ، والخبر
نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ
. وقرأ سهل بن شعيب وأبو حيوة : وبإيمانهم بكسر الهمزة ، وتقدم في الحديث .
يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا
. قال ابن عباس والحسن : يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين . وقال الحسن أيضا : يدعونه تقربا إليه ، كقوله :
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ *
« 1 » ، وهو مغفور له . وقيل : يقوله من يمر على الصراط زحفا وحبوا . وقيل : يقوله من يعطى من النور مقدار ما يبصر به موضع قدميه .
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ
: تقدم نظير هذه الآية في التوبة .
هامش
( 1 ) سورة يوسف : 12 / 29 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 214 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل