تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
اللّه للمؤمنين ، أي قولوا ربنا عليك توكلنا ، علمهم بذلك قطع العلائق التي بينهم وبين الكفار .
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
، قال ابن عباس : لا تسلطهم علينا فيسبوننا ويعذبوننا . وقال مجاهد : لا تعذبنا بأيديهم أو بعذاب من عندك ، فيظنوا أنهم محقون وأنا مبطلون ، فيفتنوا لذلك . وقال قريبا منه قتادة وأبو مجلز ، وقول ابن عباس أرجح لأنه دعاء لأنفسهم ، وعلى قول غيره دعاء للكافرين ، والضمير في فيهم عائد على إبراهيم والذين معه ، وكررت الأسوة تأكيدا ، وأكد ذلك بالقسم أيضا ، ولمن يرجو بدل من ضمير الخطاب ، بدل بعض من كل . وروي أنه لما نزلت هذه الآية ، عزم المسلمون على إظهار عداوات أقربائهم الكفار ، ولحقهم هم لكونهم لم يؤمنوا حتى يتوادوا ، فنزل
عَسَى اللَّهُ
الآية مؤنسة ومرجئة ، فأسلم الجميع عام الفتح وصاروا إخوانا . ومن ذكر أن هذه المودة هي تزويج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وأنها كانت بعد الفتح فقد أخطأ ، لأن تزويجها كان وقت هجرة الحبشة ، وهذه الآيات سنة ست من الهجرة ، ولا يصح ذلك عن ابن عباس إلا أن يسوقه مثالا ، وإن كان متقدما لهذه الآية ، لأنه استمر بعد الفتح كسائر ما نشأ من المودات ، قاله ابن عطية . وعسى من اللّه تعالى واجبة الوقوع ،
وَاللَّهُ قَدِيرٌ
على تقليب القلوب وتيسير العسير ،
وَاللَّهُ غَفُورٌ
لمن أسلم من المشركين .
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ
الآية ، قال مجاهد : نزلت في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا ، فكانوا في رتبة سوء لتركهم فرض الهجرة . وقيل : في مؤمنين من أهل مكة وغيرها تركوا الهجرة . وقال الحسن وأبو صالح : في خزاعة وبين الحارث بن كعب وكنانة ومزينة وقبائل من العرب ، كانوا مظاهرين للرسول محبين فيه وفي ظهوره . وقيل : فيمن لم يقاتل ، ولا أخرج ولا أظهر سوءا من كفار قريش . وقال قرة الهمداني وعطية العوفي : في قوم من بني هاشم منهم العباس . وقال عبد اللّه بن الزبير : في النساء والصبيان من الكفرة . وقال النحاس والثعلبي : أراد المستضعفين من المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة . وقيل : قدمت على أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه أمّها نفيلة بنت عبد العزى ، وهي مشركة ، بهدايا ، فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول ، فنزلت الآية ، فأمرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن تدخلها منزلها وتقبل منها وتكفيها وتحسن إليها . قال ابن عطية : وكانت المرأة فيما روي خالتها فسمتها أمّا ؛ وفي التحرير : أن أبا بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه طلق امرأته نفيلة في الجاهلية ،
البحر المحيط في التفسير — صفحة 156 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل