تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
أشرف ما حصل لذريتهما ، وذلك النبوة ، وهي التي بها هدي الناس من الضلال ؛
وَالْكِتابَ
، وهي الكتب الأربعة : التوراة والزبور والإنجيل والقرآن ، وهي جميعها في ذرية إبراهيم عليه السلام ، وإبراهيم من ذرية نوح ، فصدق أنها في ذريتهما . وفي مصحف عبد اللّه : والنبية مكتوبة بالياء عوض الواو . وقال ابن عباس :
وَالْكِتابَ
: الخط بالقلم ، والظاهر أن الضمير في منهم عائد على الذرية . وقيل : يعود على المرسل إليهم لدلالة ذكر الإرسال والمرسلين عليهم . ومع إرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة العلل بذلك ، انقسموا إلى مهتد وفاسق ، وأخبر بالفسق عن الكثير منهم .
ثُمَّ قَفَّيْنا
: أي اتبعنا وجعلناهم يقفون من تقدم ،
عَلى آثارِهِمْ
: أي آثار الذرية ،
بِرُسُلِنا
: وهم الرسل الذين جاءوا بعد الذرية ،
وَقَفَّيْنا بِعِيسَى
: ذكره تشريفا له ، ولانتشار أمته ، ونسبه لأمه على العادة في الإخبار عنه . وتقدمت قراءة الحسن : الإنجيل ، بفتح الهمزة في أول سورة آل عمران . قال أبو الفتح : وهو مثال لا نظير له . انتهى ، وهي لفظة أعجمية ، فلا يلزم فيها أن تكون على أبنية كلم العرب . وقال الزمخشري : أمره أهون من أمر البرطيل ، يعني أنه بفتح الباء وكأنه عربي ؛ وأما الإنجيل فأعجمي . وقرئ : رأفة على وزن فعالة ،
وَجَعَلْنا
: يحتمل أن يكون المعنى وخلقنا ، كقوله :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
« 1 » ، ويحتمل أن يكون بمعنى صيرنا ، فيكون
فِي قُلُوبِ
: في موضع المفعول الثاني لجعلنا .
وَرَهْبانِيَّةً
معطوف على ما قبله ، فهي داخلة في الجمل .
ابْتَدَعُوها
: جملة في موضع الصفة لرهبانية ، وخصت الرهبانية بالابتداع ، لأن الرأفة والرحمة في القلب لا تكسب للإنسان فيها ، بخلاف الرهبانية ، فإنها أفعال بدن مع شيء في القلب ، ففيها موضع للتكسب . قال قتادة : الرأفة والرحمة من اللّه والرهبانية هم ابتدعوها ؛ والرهبانية : رفض الدنيا وشهواتها من النساء وغيرهنّ واتخاذ الصوامع . وجعل أبو علي الفارسي
وَرَهْبانِيَّةً
مقتطعة من العطف على ما قبلها من
رَأْفَةً وَرَحْمَةً
، فانتصب عنده
وَرَهْبانِيَّةً
على إضمار فعل يفسره ما بعده ، فهو من باب الاشتغال ، أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها . واتبعه الزمخشري فقال : وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره : وابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، يعني وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها . انتهى ، وهذا إعراب المعتزلة ، وكان أبو عليّ معتزليا . وهم يقولون : ما كان مخلوقا للّه لا يكون مخلوقا للعبد ، فالرأفة والرحمة من خلق اللّه ، والرهبانية من ابتداع الإنسان ، فهي
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 1 .