تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
ومناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها واضحة ، لأنه تعالى أمر بالتسبيح ، ثم أخبر أن التسبيح المأمور به قد فعله والتزمه كل من في السماوات والأرض ، وأتى سبح بلفظ الماضي ، ويسبح بلفظ المضارع ، وكله يدل على الديمومة والاستمرار ، وإن ذلك ديدن من في السماوات والأرض . والتسبيح هنا عند الأكثرين بمعنى التنزيه المعروف في قولهم : سبحان اللّه ، فقيل : هو حقيقة في الجميع ، وقيل : فيمن يمكن التسبيح منهم ، وقيل : مجاز ، بمعنى : أن أثر الصنعة فيها ينبه الرائي على التسبيح . وقيل : التسبيح هنا الصلاة ، ففي الجماد بعيد ، وفي الكافر سجود ظله صلاته ، وفي المؤمن ذلك سائغ ، واللام في
لِلَّهِ
، إما أن تكون بمنزلة اللام في : نصحت لزيد ، يقال : سبح اللّه ، كما يقال ؛ نصحت زيدا ، فجيء باللام لتقوية وصول الفعل إلى المفعول ؛ وإما أن تكون لام التعليل ، أي أحدث التسبيح لأجل اللّه ، أي لوجهه خالصا .
يُحْيِي وَيُمِيتُ
: جملة مستقلة لا موضع لها من الإعراب لقوله :
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
لما أخبر بأنه له الملك ، أخبر عن ذاته بهذين الوصفين العظيمين اللذين بهما تمام التصرف في الملك ، وهو إيجاد ما شاء وإعدام ما شاء ، ولذلك أعقب بالقدرة التي بها الإحياء والإماتة . وجوز أن يكون خبر مبتدأ ، أي هو يحيي ويميت . وأن يكون حالا ، وذو الحال الضمير في له ، والعامل فيها العامل في الجار والمجرور .
هُوَ الْأَوَّلُ
: الذي ليس لوجوده بداية مفتتحة ،
وَالْآخِرُ
: أي الدائم الذي ليس له نهاية منقضية . وقيل : الأول الذي كان قبل كل شيء ، والآخر الذي يبقى بعد هلاك كل شيء .
وَالظَّاهِرُ
بالأدلة ونظر العقول في صفته ،
وَالْباطِنُ
لكونه غير مدرك بالحواس . وقال أبو بكر الورّاق : الأول بالأزلية ، والآخر بالأبدية . وقيل :
الظَّاهِرُ
العالي على كل شيء ، الغالب له من ظهر عليه إذا علاه وغلبه ؛
وَالْباطِنُ
: الذي بطن كل شيء ، أي علم باطنه . وقال الزمخشري ؛ فإن قلت : فما معنى الواو ؟ قلت : الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية ؛ والثانية على أنه الجامع بين الظهور والخفاء ؛ وأما الوسطى فعل أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين . فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية ، وهو في جميعها ظاهر وباطن . جامع الظهور بالأدلة والخفاء ، فلا يدرك بالحواس ؛ وفي هذا حجة على من جوز إدراكه في الآخرة بالحاسة . انتهى ، وفيه دسيسة الاعتزال .
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ
من المطر والأموات وغير ذلك ،
وَما يَخْرُجُ مِنْها
من