Skip to main content

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — Page 96

Contributors:

P.96
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 42 ] وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 )
Commentary
بزمانه كما سيجئ فلا تضعوا موضع ما يتوقع منكم ويجب عليكم ما لا يتوهم صدوره عنكم من كونكم أول كافر به ووقوع أول كافر به خبرا من ضمير الجمع بتأويل أول فريق أو فوج أو بتأويل لا يكن كل واحد منكم أول كافر به كقولك كسانا حلة ونهيهم عن التقدم في الكفر به مع أن مشركي العرب أقدم منهم لما أن المراد به التعريض لا الدلالة على ما نطق به الظاهر كقولك أما أنا فلست بجاهل لأن المراد نهيهم عن كونهم أول كافر من أهل الكتاب أو ممن كفر بما عنده فإن من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدقه أو مثل من كفر من مشركي مكة وأول أفعل لا فعل له وقيل أصله أو أل من وأل إليه إذا نجا وخلص فأبدلت الهمزة واوا تخفيفا غير قياسي أو أأول من آل فقلبت همزته واوا وأدغمت( وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي )أي لا تأخذوا لأنفسكم بدلا منها( ثَمَناً قَلِيلًا )من الحظوظ الدنيوية فإنها وإن جلت قليلة مسترذلة بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرة بترك الإيمان قيل كانت لهم رئاسة في قومهم ورسوم وهدايا فخافوا عليها لو اتبعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فاختاروها على الإيمان وإنما عبر عن المشترى الذي هو العمدة في عقود المعاوضة والمقصود فيها بالثمن الذي شأنه أن يكون وسيلة فيها وقرنت الآيات التي حقها أن يتنافس فيها المتنافسون بالباء التي تصحب الوسائل إيذانا بتعكيسهم حيت جعلوا ما هو المقصد الأصلي وسيلة والوسيلة مقصدا( وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ )بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن حطام الدنيا ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادى لما في الآية الثانية فصلت بالرهبة التي هي من مقدمات التقوى أو لأن الخطاب بها لما عم العالم والمقلد أمر فيها بالرهبة المتناولة للفريقين وأما الخطاب بالثانية فحيث خص بالعلماء أمر فيها بالتقوى الذي هو المنتهى( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ )عطف على ما قبله واللبس الخلط وقد يلزمه الاشتباه بين المختلطين والمعنى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه حتى يشتبه أحدهما بالآخر أو لا تجعلوا الحق ملتبسا بسبب الباطل الذي تكتبونه في تضاعيفه أو تذكرونه في تأويله( وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ )مجزوم داخل تحت حكم النهى كأنهم أمروا بالإيمان وترك الضلال ونهوا عن الإضلال بالتلبيس على من سمع الحق والإخفاء عمن لم يسمعه أو منصوب بإضمار أن على أن الواو للجمع أي لا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وبين كتمانه ويعضده أنه في مصحف ابن مسعود وتكتمون أي وأنتم تكتمون أي كاتمين وفيه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه من كتمان الحق وتكرير الحق إما لأن المراد بالأخير ليس عين الأول بل هو نعت النبي صلّى اللّه عليه وسلم الذي كتموه وكتبوا مكانه غيره كما سيجئ في قوله تعالىفَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْوإما لزيادة تقبيح المنهى عنه إذ في التصريح باسم الحق ما ليس في ضميره( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )أي حال كونكم عالمين بأنكم لابسون كاتمون أو وأنتم تعلمون أنه حق أو وأنتم من أهل العلم وليس إيراد الحال لتقييد النهى به كما في قوله تعالىلا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارىبل لزيادة تقبيح حالهم إذ الجاهل عسى يعذر .