تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 14 ] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 )
شرح
الباطل منوط بالتمييز بين الحق والباطل وذلك مما لا يتسنى إلا بالنظر والاستدلال وأما النفاق وما فيه من الفتنة والإفساد وما يترتب عليه من كون من يتصف به مفسدا فأمر بديهي يقف عليه من له شعور ولذلك فصلت الآية الكريمة السابقة بلا يشعرون .( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا )بيان لتباين أحوالهم وتناقض أقوالهم في أثناء المعاملة والمخاطبة حسب تباين المخاطبين ومساق ما صدرت به قصتهم لتحرير مذهبهم والترجمة عن نفاقهم ولذلك لم يتعرض هاهنا لمتعلق الإيمان فليس فيه شائبة التكرير . روى أن عبد اللّه بن أبي وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من الصحابة فقال ابن أبي انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم فلما دنوا منهم أخذ بيد أبى بكر رضى اللّه عنه فقال مرحبا بالصديق سيد بنى تميم وشيخ الإسلام وثاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الغار الباذل نفسه وماله لرسول اللّه ثم أخذ بيد عمر رضى اللّه عنه فقال مرحبا بسيد بنى عدى الفاروق القوى في دينه الباذل نفسه وماله لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم أخذ بيد على كرم اللّه وجهه فقال مرحبا بابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وختنه وسيد بني هاشم ما خلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فنزلت وقيل قال له على رضى اللّه عنه يا عبد اللّه اتق اللّه ولا تنافق فإن المنافقين شر خلق اللّه تعالى فقال له مهلا يا أبا الحسن أفي تقول هذا واللّه إن إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم ثم افترقوا فقال ابن أبي لأصحابه كيف رأيتموني فعلت فإذا رأيتموهم فافعلوا مثل ما فعلت فأثنوا عليه خيرا وقالوا ما نزال بخير ما عشت فينا فرجع المسلمون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأخبروه بذلك فنزلت واللقاء المصادفة يقال لقيته ولاقيته أي صادفته واستقبلته وقرئ إذا لاقوا .( وَإِذا خَلَوْا )من خلوت إلى فلان أي انفردت معه وقد يستعمل بالباء أو من خلا بمعنى مضى ومنه القرون الخالية وقولهم خلاك ذم أي جاوزك ومضى عنك وقد جوز كونه من خلوت به إذا سخرت منه على أن تعديته بإلى في قوله تعالى .( إِلى شَياطِينِهِمْ )لتضمنه معنى الإنهاء أي وإذا أنهوا إليهم السخرية الخ وأنت خبير بأن تقييد قولهم المحكى بذلك الإنهاء مما لا وجه له والمراد بشياطينهم المماثلون منهم للشيطان في التمرد والعناد المظهرون لكفرهم وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر أو كبار المنافقين والقائلون صغارهم وجعل سيبويه نون الشيطان تارة أصلية فوزنه فيعال على أنه من شطن إذا بعد فإنه بعيد من الخير والرحمة ويشهد له قولهم تشيطن وأخرى زائدة فوزنه فعلان على أنه من شاط أي هلك أو بطل ومن أسمائه الباطل وقيل معناه هاج واحترق( قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ )أي في الدين والاعتقاد لا نفارقكم في حال من الأحوال وإنما خاطبوهم بالجملة الاسمية المؤكدة لأن مدعاهم عندهم تحقيق الثبات على ما كانوا عليه من الدين والتأكيد للإنباء عن صدق رغبتهم ووفور نشاطهم لا لإنكار الشياطين بخلاف معاملتهم مع المؤمنين فإنهم إنما يدعون عندهم إحداث الإيمان لجزمهم بعد رواج ادعاء الكمال فيه أو الثبات عليه .( إِنَّما نَحْنُ )أي في إظهار الإيمان عند المؤمنين .( مُسْتَهْزِؤُنَ )بهم من غير أن يخطر ببالنا الإيمان حقيقة وهو استئناف مبنى على سؤال ناشئ من ادعاء المعية كأنه قيل لهم عند قولهم إنا معكم فما بالكم توافقون المؤمنين في الإتيان بكلمة الإيمان فقالوا إنما نحن مستهزءون بهم فلا يقدح ذلك في