تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 285 ] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 )
شرح
كيف لا وعلمه سبحانه بمعلوماته متعال عن أن يكون بطريق حصول الصور بل وجود كل شئ في نفسه في أي طور كان علم بالنسبة إليه تعالى وفي هذا لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة والكامنة خلا أن مرتبة الإخفاء متقدمة على مرتبة الإبداء إذ ما من شئ يبدي إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في النفس فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية وقد مر في تفسير قوله تعالىأَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ( فَيَغْفِرُ )بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفر بفضله( لِمَنْ يَشاءُ )أن يغفر له( وَيُعَذِّبُ )بعدله( لِمَنْ يَشاءُ )أن يعذبه حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح وتقديم المغفرة على التعذيب لتقدم رحمته على غضبه وقرئ بجزم الفعلين عطفا على جواب الشرط وقرئ بالجزم من غير فاء على أنهما بدل من الجواب بدل البعض أو الاشتمال ونظيره الجزم على البدلية من الشرط في قوله[ متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا ]وإدغام الراء في اللام لحن( وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )تذييل مقرر لمضمون ما قبله فإن كمال قدرته تعالى على جميع الأشياء موجب لقدرته سبحانه على ما ذكر من المحاسبة وما فرع عليه من المغفرة والتعذيب( آمَنَ الرَّسُولُ )لما ذكر في فاتحة السورة الكريمة أن ما أنزل إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من الكتاب العظيم الشأن هدى للمتصفين بما فصل هناك من الصفات الفاضلة التي من جملتها الإيمان به وبما أنزل قبله من الكتب الإلهية وأنهم حائزون لإثرتى الهدى والفلاح من غير تعيين لهم بخصوصهم ولا تصريح بتحقق اتصافهم بها إذ ليس فيما يذكر في حيز الصلة حكم بالفعل وعقب ذلك ببيان حال من كفر به من المجاهرين والمنافقين ثم شرح في تضاعيفها من فنون الشرائع والأحكام والمواعظ والحكم وأخبار سوالف الأمم وغير ذلك ما تقتضى الحكمة شرحه عين في خاتمتها المتصفون بها وحكم باتصافهم بها على طريق الشهادة لهم من جهته عزّ وجل بكمال الإيمان وحسن الطاعة وذكر صلّى اللّه عليه وسلم بطريق الغيبة مع ذكره هناك بطريق الخطاب لما أن حق الشهادة الباقية على مر الدهور أن لا يخاطب بها المشهود له ولم يتعرض هاهنا لبيان فوزهم بمطالبهم التي من جملتها ما حكى عنهم من الدعوات الآتية إيذانا بأنه أمر محقق غنى عن التصريح به لا سيما بعد ما نص عليه فيما سلف وإيراده صلّى اللّه عليه وسلم بعنوان الرسالة المنبئة عن كونه صلّى اللّه عليه وسلم صاحب كتاب مجيد وشرع جديد تمهيد لما يعقبه من قوله تعالى( بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ )ومزيد توضيح لاندراجه في الرسل المؤمن بهم عليهم السلام والمراد بما أنزل إليه ما يعم كله وكل جزء من أجزائه ففيه تحقيق لكيفية إيمانه صلّى اللّه عليه وسلم وتعيين لعنوانه أي آمن عليه السلام بكل ما أنزل إليه( مِنْ رَبِّهِ )إيمانا تفصيليا متعلقا بجميع ما فيه من الشرائع والأحكام والقصص والمواعظ وأحوال الرسل والكتب وغير ذلك من حيث إنه منزل منه تعالى وأما الإيمان بحقية أحكامه وصدق أخباره ونحو ذلك فمن فروع الإيمان به من الحيثية المذكورة وفي هذا الإجمال إجلال لمحله صلّى اللّه عليه وسلم وإشعار بأن تعلق إيمانه بتفاصيل ما أنزل إليه وإحاطته بجميع ما انطوى
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 273 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي