[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 249 ]
فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 249 )
شرح
هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشئ من التوراة وكان قد رفعه اللّه تعالى بعد وفاة موسى عليه السلام وآلهما أبناؤهما أو أنفسهما والآل مقحم لتفخيم شأنهما أو أنبياء بني إسرائيل( تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ )حال من التابوت أي إن آية ملكه إتيانه حال كونه محمولا للملائكة وقد مر كيفية ذلك ولعل حمل الملائكة على الرواية الأخيرة عبارة عن سوقهم للثورين الحاملين له( إِنَّ فِي ذلِكَ )إشارة إلى ما ذكر من شأن التابوت فهو من تمام كلام النبي عليه السلام لقومه أو إلى نقل القصة وحكايتها فهو ابتداء كلام من جهة اللّه تعالى جئ به قبل تمام القصة إظهارا لكمال العناية به وإفراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين على التقديرين بتأويل الفريق أو غيره كما سلف( لَآيَةً )عظيمة( لَكُمْ )دالة على ملك طالوت أو على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم حيث أخبر بهذه التفاصيل على ما هي عليه من غير سماع من البشر( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )أي مصدقين بتمليكه عليكم أو بشيء من الآيات وإن شرطية والجواب محذوف ثقة بما قبله وقيل هي بمعنى إذ( فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ )أي انفصل بهم عن بيت المقدس والأصل فصل نفسه ولما اتحد فاعله ومفعوله شاع استعماله محذوف المفعول حتى نزل منزلة القاصر كانفصل وقيل فصل فصولا وقد جوز كونه أصلا برأسه ممتازا من المتعدى بمصدره كوقف وقوفا ووقفه وقفا وكصد صدودا وصده صدا ورجع رجوعا ورجعه رجعا والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من طالوت أي ملتبسا بهم ومصاحبا لهم روى أنه قال لقومه لا يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفا وكان الوقت قيظا وسلكوا مفازة فسألوا أن يجرى اللّه تعالى لهم نهرا فبعد ما ظهر له ما تعلقت به مشيئته تعالى من جهة النبي عليه السلام أو بطريق الوحي عند من يقول بنبوته( قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ )بفتح الهاء وقرئ بسكونها( فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ )أي ابتدأ شربه من النهر بأن كرع لأنه الشرب منه حقيقة( فَلَيْسَ مِنِّي )أي من جملتى وأشياعى المؤمنين وقيل ليس بمتصل بي ومتحد معي من قولهم فلان منى كأنه بعضه لكمال اختلاطهما( وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ )أي لم يذقه من طعم الشئ إذا ذاقه مأكولا كان أو مشروبا أو غيرهما قال[ وإن شئت حرمت النساء سواكم * وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا ]أي نوما( فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ )استثناء من قوله تعالىفَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّيوإنما أخر عن الجملة الثانية لإبراز كمال العناية بها ومعناه الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع والغرفة ما يغرف وقرئ بفتح الغين على أنها مصدر والباء متعلقة باغترف أو بمحذوف وقع صفة لغرفة أي غرفة كائنة بيده يروى أن الغرفة كانت