تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 220 إلى 221 ] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 220 ) وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 221 )
شرح
وتقفوا على مقاصدها وتعملوا بما في تضاعيفها وقوله تعالى( فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ )متعلق إما يبين أي يبين لكم فيما يتعلق بالدنيا والآخرة الآيات وإما بمحذوف وقع حالا من الآيات أي يبينها لكم كائنة فيهما أي مبينة لأحوالكم المتعلقة بهما وإنما قدم عليه التعليل لمزيد الاعتناء بشأن التفكر وإما بقوله تعالىتَتَفَكَّرُونَأي تتفكرون في الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة في الأحكام الواردة في أجوبة الأسئلة المارة فتختارون منها ما يصلح لكم فيهما وتجتنبون عن غيره وهذا التخصيص هو المناسب لمقام تعداد الأحكام الجزئية ويجوز التعميم لجميع الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة فذلك حينئذ إشارة إلى ما مر من البيانات كلا أو بعضا لا إلى مصدر ما بعده فإنه حينئذ فعل مستقل ليس بعبارة عن تلك البيانات والمراد بالآيات غير ما ذكر والمعنى مثل ذلك البيان الوارد في الأجوبة المذكورة يبين اللّه لكم الآيات والدلائل لعلكم تتفكرون في أموركم المتعلقة بالدنيا والآخرة وتأخذون بما يصلح لكم وينفعكم فيهما وتذرون ما يضركم حسبما تقتضيه تلك الآيات المبينة( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى )عطف على ما قبله من نظيره روى أنه لما نزلت إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية تحامى الناس عن مخالطة اليتامى وتعهد أموالهم فشق عليهم ذلك فذكروه للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فنزلت( قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ )أي التعرض لأحوالهم وأموالهم على طريق الإصلاح خير من مجانبتهم اتقاء( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ )وتعاشروهم على وجه ينفعهم( فَإِخْوانُكُمْ )أي فهم إخوانكم أي في الدين الذي هو أقوى من العلاقة النسبية ومن حقوق الأخوة ومواجبها المخالطة بالإصلاح والنفع وقد حمل المخالطة على المصاهرة( وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ )العلم بمعنى المعرفة المتعدية إلى واحد ومن لتضمينه معنى التمييز أي يعلم من يفسد في أمورهم عند المخالطة أو من يقصد بمخالطته الخيانة والإفساد مميزا له ممن يصلح فيها أو يقصد الإصلاح فيجازى كلا منهما بعمله ففيه وعد ووعيد خلا أن في تقديم المفسد مزيد تهديد وتأكيد للوعيد( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ )أي لو شاء أن يعنتكم أي يكلفكم ما يشق عليكم من العنت وهو المشقة لفعل ولم يجوز لكم مداخلتهم( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ )غالب على أمره لا يعز عليه أمر من الأمور التي من جملتها إعناتكم فهو تعليل لمضمون الشرطية وقوله عزّ وجل( حَكِيمٌ )أي فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس الطاقة دليل على ما تفيده كلمة لو من انتفاء مقدمها( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ )أي لا تتزوجوهن وقرئ بضم التاء من الإنكاح أي لا تزوجوهن
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 220 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي