[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 208 إلى 210 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208 ) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 ) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 210 )
شرح
لا أنفعكم إن كنت معكم ولا أضركم إن كنت عليكم فخلوني وما أنا عليه وخذوا مالي فقبلوا منه ماله فأتى المدينة فيشرى حينئذ بمعنى يشترى لجريان الحال على صورة الشرى( وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ )ولذلك يكلفهم التقوى ويعرضهم للثواب والجملة اعتراض تذييلى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ )أي الاستسلام والطاعة وقيل الإسلام وقرئ بفتح السين وهي لغة فيه وبفتح اللام أيضا وقوله تعالى( كَافَّةً )حال من الضمير في ادخلوا أو من السلم أو منهما معا كما في قوله[ خرجت بها تمشى تجر وراءنا * على أثرينا ذيل مرط مرجل ]وهي في الأصل اسم لجماعة تكف مخالفها ثم استعملت في معنى جميعا وتاؤها ليست للتأنيث حتى يحتاج إلى جعل السلم مؤنثا مثل الحرب كما في قوله عزّ وجلوَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهاوفي قوله[ السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب يكفيك من أنفاسها جرع ]وإنما هي للنقل كما في عامة وخاصة وقاطبة والمعنى استسلموا للّه تعالى وأطيعوه جملة ظاهرا وباطنا والخطاب للمنافقين أو ادخلوا في الإسلام بكليته ولا تخلطوا به غيره والخطاب لمؤمني أهل الكتاب فإنهم كانوا يراعون بعض أحكام دينهم القديم بعد إسلامهم أو في شرائع اللّه تعالى كلها بالإيمان بالأنبياء عليهم السلام والكتب جميعا والخطاب لأهل الكتاب كلهم ووصفهم بالإيمان إما على طريقة التغليب وإما بالنظر إلى إيمانهم القديم أو في شعب الإسلام وأحكامه كلها فلا يخلوا بشيء منها والخطاب للمسلمين وإنما خوطب أهل الكتاب بعنوان الإيمان مع أنه لا يصح الإيمان إلا بما كلفوه الآن إيذانا بأن ما يدعونه لا يتم بدونه( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ )بالتفرق والتفريق أو بمخالفة ما أمرتم به( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ )ظاهر العداوة أو مظهر لها وهو تعليل للنهي أو الانتهاء( فَإِنْ زَلَلْتُمْ )أي عن الدخول في السلم وقرئ بكسر اللام وهي لغة فيه( مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ )الآيات( الْبَيِّناتُ )والحجج القطعية الدالة على حقيته الموجبة للدخول فيه( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ )غالب على أمره لا يعجزه الانتقام منكم( حَكِيمٌ )لا يترك ما تقتضيه الحكمة من مؤاخذة المجرمين المستعصين على أوامره( هَلْ يَنْظُرُونَ )استفهام إنكاري في معنى النفي أي ما ينتظرون بما يفعلون من العناد والمخالفة في الامتثال بما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه( إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ )أي أمره وبأسه أو يأتيهم اللّه بأمره وبأسه فحذف المأتى به لدلالة الحال عليه والالتفات إلى الغيبة للإيذان بأن سوء صنيعهم موجب للإعراض عنهم وحكاية جنايتهم لمن عداهم من أهل الإنصاف على طريقة المباثة وإيراد الانتظار للإشعار بأنهم لأنهما كهم فيما هم فيه من موجبات العقوبة