تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 155 إلى 157 ] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( 157 )
شرح
تسع وثلاثين وتسعمائة أنى أزور قبور شهداء أحد رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين وأنا أتلو هذه الآية وما في سورة آل عمران وأرددهما متفكرا في أمرهم وفي نفسي أن حياتهم روحانية لا جسمانية فبينما أنا على ذلك إذ رأيت شابا منهم قاعدا في قبره تام الجسد كامل الخلقة في أحسن ما يكون من الهيئة والمنظر ليس عليه شئ من اللباس قد بدا منه ما فوق السرة والباقي في القبر خلا أنى أعلم يقينا أن ذلك أيضا كما ظهر وإنما لا يظهر لكونه عورة فنظرت إلى وجهه فرأيته ينظر إلى متبسما كأنه ينبهنى على أن الأمر بخلاف رأيي فسبحان من علت كلمته وجلت حكمته وقيل الآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر وفيها دلالة على أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن تبقى بعد الموت دراكة وعليه جمهور الصحابة والتابعين رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين وبه نطقت الآيات والسنن وعلى هذا فتخصيص الشهداء بذلك لما يستدعيه مقام التحريض على مباشرة مبادى الشهادة ولاختصاصهم بمزيد القرب من اللّه عزّ وعلا( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ )لنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم أتصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء( بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ )أي بقليل من ذلك فإن ما وقاهم عنه أكثر بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة وكذا ما يصيب به معانديهم وإنما أخبر به قبل الوقوع ليوطنوا عليه نفوسهم ويزداد يقينهم عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به وليعلموا أنه شئ يسير له عاقبة حميدة( وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ )عطف على شئ وقيل على الخوف وعن الشافعي رحمه اللّه الخوف خوف اللّه والجوع صوم رمضان ونقص من الأموال الزكاة والصدقات ومن الأنفس الأمراض ومن الثمرات موت الأولاد وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذا مات ولد العبد قال اللّه تعالى للملائكة أقبضتم روح ولد عبدي فيقولون نعم فيقول عزّ وجل أقبضتم ثمرة قلبه فيقولون نعم فيقول اللّه تعالى ما ذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول اللّه عزّ وعلا ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ )( الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ )الخطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة والمصيبة ما يصيب الإنسان من مكروه لقوله عليه السلام كل شئ يؤذى المؤمن فهو له مصيبة وليس الصبر هو الاسترجاع باللسان بل بالقلب بأن يتصور ما خلق له وأنه راجع إلى ربه ويتذكر نعم اللّه تعالى عليه ويرى أن ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه فيهون ذلك على نفسه ويستسلم والمبشر به محذوف دل عليه ما بعده( أُولئِكَ )إشارة إلى الصابرين باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت ومعنى البعد فيه للإيذان بعلو رتبتهم( عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 180 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي