[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 128 إلى 129 ]
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 128 ) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 129 )
Commentary
المعلومات التي من زمرتها نياتنا في جميع أعمالنا والجملة تعليل لاستدعاء التقبل لا من حيث إن كونه تعالى سميعا لدعائهما عليما بنياتهما مصحح للتقبل في الجملة بل من حيث إن علمه تعالى بصحة نياتهما وإخلاصهما في أعمالهما مستدع له بموجب الوعد تفضلا وتأكيد الجملة لغرض كمال قوة يقينهما بمضمونها وقصر نعتى السمع والعلم عليه تعالى لإظهار اختصاص دعائهما به تعالى وانقطاع رجائهما عما سواه بالكلية واعلم أن الظاهر أن أول ما جرى من الأمور المحكية هو الابتلاء وما يتبعه ثم دعاء البلدية والأمن وما يتعلق به ثم رفع قواعد البيت وما يتلوه ثم جعله مثابة للناس والأمر بتطهيره ولعل تغيير الترتيب الوقوعي في الحكاية لنظم الشؤون الصادرة عن جنابه تعالى في سلك مستقل ونظم الأمور الواقعة من جهة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من الأفعال والأقوال في سلك آخر وأما قوله تعالىوَمَنْ كَفَرَالخ فإنما وقع في تضاعيف الأحوال المتعلقة بإبراهيم لاقتضاء المقام واستيجاب ما سبق من الكلام ذلك بحيث لم يكن بد منه أصلا كما أن وقوع قوله عليه السلام ومن ذريتي في خلال كلامه سبحانه لذلك( رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ )مخلصين لك أو مستسلمين من أسلم إذا استسلم وانقاد وأيا ما كان فالمطلوب الزيادة والثبات على ما كان عليه من الإخلاص والإذعان وقرئ مسلمين على صيغة الجمع بإدخال هاجر معهما في الدعاء أو لأن التثنية من مراتب الجمع( وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ )أي واجعل بعض ذريتنا وإنما خصاهم بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة ولأنهم إذا صلحوا صلح الأتباع وإنما خصا به بعضهم لما علما أن منهم ظلمة وأن الحكمة الإلهية لا تقتضى اتفاق الكل على الإخلاص والإقبال الكلى على اللّه عزّ وجل فإن ذلك مما يخل بأمر المعاش ولذلك قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا وقيل أراد بالأمة المسلمة أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وقد جوز أن يكون من مبينة قدمت على المبين وفصل بها بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالىوَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّوالأصل وأمة مسلمة لك من ذريتنا( وَأَرِنا )من الرؤية بمعنى الإبصار أو بمعنى التعريف أي بصرنا أو عرفنا( مَناسِكَنا )أي متعبداتنا في الحج أو مذابحنا والنسك في الأصل غاية العبادة وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة وقرئ أرنا قياسا على فخذ في فخذ وفيه إجحاف لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها وقرئ بالاختلاس( وَتُبْ عَلَيْنا )استتابة لذريتهما وحكايتها عنهما لترغيب الكفرة في التوبة والإيمان أو توبة لهما عما فرط منهما سهوا ولعلهما قالاه هضما لأنفسهما وإرشادا لذريتهما( إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )وهو تعليل للدعاء ومزيد استدعاء للإجابة قيل إذا أراد العبد أن يستجاب له فليدع اللّه عزّ وجل بما يناسيه من أسمائه وصفاته( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ )أي في الأمة المسلمة