تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 100 إلى 101 ] أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 100 ) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 )
شرح
ليس على تلك الصفة من الكفرة لا يجترئ على الكفر بمثل هاتيك البينات قال الحسن إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم أفراد ذلك النوع من كفر أو غيره وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال قال ابن صوريا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك لها فنزلت واللام للعهد أي الفاسقون المعهودون وهم أهل الكتاب المحرفون لكتابهم الخارجون عن دينهم أو للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا( أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً )الهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أكفروا بها وهي في غاية الوضوح وكلما عاهدوا عهدا ومن جملة ذلك ما أشير إليه في قوله تعالىوَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوامن قولهم للمشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم وقرئ بسكون الواو على أن تقدير النظم الكريم وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهودهم مرارا كثيرة وقرئ عوهدوا وعهدوا وقوله تعالىعَهْداًإما مصدر مؤكد لعاهدوا من غير لفظه أو مفعول له على أنه بمعنى أعطوا العهد( نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ )أي راموا بالزمام ورفضوه وقرئ نقضه وإسناد النبذ إلى فريق منهم لأن منهم من لم ينبذه( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )أي بالتوراة وهذا دفع لما يتوهم من أن النابذين هم الأقلون وأن من لم ينبذ جهارا فهم يؤمنون بها سرا( وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ )هو النبي صلّى اللّه عليه وسلم والتنكير للتفخيم( مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )متعلق بجاء أو بمحذوف وقع صفة لرسول لإفادة مزيد تعظيمه بتأكيد ما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية( مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ )من التوراة من حيث أنه صلّى اللّه عليه وسلم قرر صحتها وحقق حقية نبوة موسى عليه الصلاة والسلام بما أنزل عليه أو من حيث أنه عليه السلام جاء على وفق ما نعت فيها( نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ )أي التوراة وهم اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ممن كانوا يستفتحون به قبل ذلك لا الذين كانوا في عهد سليمان عليه السلام كما قيل لأن النبذ عند مجىء النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يتصور منهم وإفراد هذا النبذ بالذكر مع اندراجه تحت قوله عزّ وجلأَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْلأنه معظم جناياتهم ولأنه تمهيد لذكر اتباعهم لما تتلو الشياطين وإيثارهم له عليه والمراد بإيتائها إما إيتاء علمها بالدراسة والحفظ والوقوف على ما فيها فالموصول عبارة عن علمائهم وإما مجرد إنزالها عليهم فهو عبارة عن الكل وعلى التقديرين فوضعه موضع الضمير للإيذان بكمال التنافي بين ما أثبت لهم في حيز الصلة وبين ما صدر عنهم من النبذ( كِتابَ اللَّهِ )أي الذي أوتوه قال السدى لما جاءهم محمد صلّى اللّه عليه وسلم عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والفرقان فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وما روت فلم يوافق القرآن فهذا قوله تعالىوَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِالخ وإنما عبر عنها بكتاب اللّه تشريفا لها وتعظيما لحقها عليهم وتهويلا لما اجترءوا عليه من الكفر