تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 84 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( 84 )
شرح
في تعداد بعض آخر من قبائح أسلاف اليهود مما ينادى بعدم إيمان أخلافهم وكلمة إذ نصب بإضمار فعل خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنون ليؤديهم التأمل في أحوالهم إلى قطع الطمع عن إيمانهم أو اليهود الموجودون في عهد النبوة توبيخا لهم بسوء صنيع أسلافهم أي اذكروا إذ أخذنا ميثاقهم( لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ )على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين لا تعبدون الخ وهو إخبار في معنى النهى كقوله تعالىوَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌوكما تقول تذهب إلى فلان وتقول كيت وكيت وهو أبلغ من صريح النهى لما فيه من إيهام أن المنهى حقه أن يسارع إلى الانتهاء عما نهى عنه فكأنه انتهى عنه فيخبر به الناهى ويؤيده قراءة لا تعبدوا وعطف قولوا عليه وقيل تقديره أن لا تعبدوا الخ فحذف الناصب ورفع الفعل كما في قوله[ ألا أيهذا الزاجرى أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى ]ويعضده قراءة أن لا تعبدوا فيكون بدلا من الميثاق أو معمولا له بحذف الجار وقيل إنه جواب قسم دل عليه المعنى كأنه قيل وحلفناهم لا تعبدون إلا اللّه وقرئ بالياء لأنهم غيب( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً )متعلق بمضمر أي وتحسنون أو أحسنوا( وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ )عطف على الوالدين ويتامى جمع يتيم كندامى جمع نديم وهو قليل ومسكين مفعيل من السكون كأن الفقر أسكنه من الحراك وأثخنه عن التقلب( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً )أي قولا حسنا سماه حسنا مبالغة وقرئ كذلك وحسنا بضمتين وهي لغة أهل الحجاز وحسنى كبشرى والمراد به ما فيه تخلق وإرشاد( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ )هما ما فرض عليهم في شريعتهم( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ )إن جعل ناصب الظرف خطابا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين فهذا التفات إلى خطاب بني إسرائيل جميعا بتغليب أخلافهم على أسلافهم لجريان ذكر كلهم حينئذ على نهج الغيبة فإن الخطابات السابقة لأسلافهم محكية داخلة في حيز القول المقدر قبل لا تعبدون كأنهم استحضروا عند ذكر جناياتهم فنعيت هي عليهم وإن جعل خطابا لليهود المعاصرين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فهذا تعميم للخطاب بتنزيل الأسلاف منزلة الأخلاف كما أنه تعميم للتولى بتنزيل الأخلاف منزلة الأسلاف للتشديد في التوبيخ أي أعرضتم عن المضي على مقتضى الميثاق ورفضتموه( إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ )وهم من الأسلاف من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ومن الأخلاف من أسلم كعبد اللّه بن سلام وأضرابه( وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ )جملة تذييلية أي وأنتم قوم عادتكم الإعراض عن الطاعة ومراعاة حقوق الميثاق وأصل الإعراض الذهاب عن المواجهة والإقبال إلى جانب العرض( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ )منصوب بفعل مضمر خوطب به اليهود قاطبة على ما ذكر من التغليب ونعى عليهم إخلالهم بمواجب الميثاق المأخوذ منهم في حقوق العباد على طريقة النهى إثر بيان ما فعلوا بالميثاق المأخوذ منهم في حقوق اللّه سبحانه وما يجرى مجراها على سبيل الأمر فإن المقصود الأصلي من النهى عن عبادة غير اللّه تعالى هو الأمر بتخصيص العبادة به تعالى أي واذكروا وقت أخذنا ميثاقكم