تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 50 ] وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 )
شرح
بدرهم فتوجه به إلى السوق فكل من لقيه من المكاسين أخذوا منه بطيخا فدخل البلد وما معه إلا بطيخة فذة باعها بدرهم ومضى لوجهه ورأى أهل البلد متروكين سدى لا يتعاطى أحد سياستهم وكان قد وقع بهم وباء عظيم فتوجه نحو المقابر فرأى ميتا يدفن فتعرض لأوليائه فقال أنا أمين المقابر فلا أدعكم تدفنونه حتى تعطونى خمسة دراهم فدفعوها إليه ومضى لآخر وآخر حتى جمع في مقدار ثلاثة أشهر ما لا عظيما ولم يتعرض له أحد قط إلى أن تعرض يوما لأولياء ميت فطلب منهم ما كان يطلب من غيرهم فأبوا ذلك فقالوا من نصبك هذا المنصب فذهبوا به إلى فرعون فقال من أنت ومن أقامك بهذا المقام قال لم يقمنى أحد وإنما فعلت ما فعلت ليحضرنى أحد إلى مجلسك فأنبهك على اختلال حال قومك وقد جمعت بهذا الطريق هذا المقدار من المال فأحضره ودفعه إلى فرعون فقال ولنى أمورك ترني أمينا كافيا فولاه إياها فسار بهم سيرة حسنة فانتظمت مصالح العسكر واستقامت أحوال الرعية ولبث فبهم دهرا طويلا وترامى أمره في العدل والصلاح فلما مات فرعون أقاموه مقامه فكان من أمره ما كان وكان فرعون يوسف ريان وكان بينهما أكثر من أربعمائة سنة( يَسُومُونَكُمْ )أي يبغونكم من سامه خسفا إذا أولاه ظلما وأصله الذهاب في طلب الشئ( سُوءَ الْعَذابِ )أي أفظعه وأقبحه بالنسبة إلى سائره والسوء مصدر من ساء يسوء ونصبه على المفعولية ليسومونكم والجملة حال من الضمير في نجيناكم أو من آل فرعون أو منهما جميعا لاشتمالها على ضميريهما( يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ )بيان ليسومونكم ولذلك ترك العطف بينهما وقرئ يذبحون بالتخفيف وإنما فعلوا بهم ما فعلوا لما أن فرعون رأى في المنام أو أخبره الكهنة أنه سيولد منهم من يذهب بملكه فلم يرد اجتهادهم من قضاء اللّه عزّ وجل شيئا قيل قتلوا بتلك الطريقة تسعمائة ألف مولود وتسعين ألفا وقد أعطى اللّه عزّ وجل نفس موسى عليه السلام من القوة على التصرف ما كان يعطيه أولئك المقتولين لو كانوا أحياء ولذلك كانت معجزاته ظاهرة باهرة( وَفِي ذلِكُمْ )إشارة إلى ما ذكر من التذبيح والاستحياء أو إلى الإنجاء منه وجمع الضمير للمخاطبين فعلى الأول معنى قوله تعالى( بَلاءٌ )محنة وبلية وكون استحياء نسائهم أي استبقائهن على الحياة محنة مع أنه عفو وترك للعذاب لما أن ذلك كان للاستعمال في الأعمال الشاقة وعلى الثاني نعمة وأصل البلاء الاختبار ولكن لما كان ذلك في حقه سبحانه محالا وكان ما يجرى مجرى الاختيار لعباده تارة بالمحنة وأخرى بالمنحة أطلق عليهما وقيل يجوز أن يشار بذلكم إلى الجملة ويراد بالبلاء القدر المشترك الشامل لهما( مِنْ رَبِّكُمْ )من جهته تعالى بتسليطهم عليكم أو ببعث موسى عليه السلام وبتوفيقه لتخليصكم منهم أو بهما معا( عَظِيمٌ )صفة لبلاء وتنكيرهما للتفخيم وفي الآية الكريمة تنبيه على أن ما يصيب العبد من السراء والضراء من قبيل الاختبار فعليه الشكر في المسار والصبر على المضار( وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ )بيان لسبب التنجية وتصوير لكيفيتها إثر تذكيرها وبيان عظمها وهو لها وقد بين في تضاعيف ذلك نعمة جليلة أخرى هي الإنجاء من الغرق أي واذكروا إذ فلقناه بسلوككم أو متلبسا بكم كقوله تعالىتَنْبُتُ بِالدُّهْنِأو بسبب إنجائكم وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت مسالك وقرئ