تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
مِنْ أَنْفُسِكُمْ
: فيها قولا
وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
« 1 » . أما كون حواء خلقت من ضلع آدم ، وأما من جنسكم ونوعكم . وعلل خلق الأزواج بالسكون إليها ، وهو الإلف . فمتى كان من الجنس ، كان بينهما تألف ، بخلاف الجنسين ، فإنه يكون بينهما التنافر ، وهذه الحكمة في بعث الرسل من جنس بني آدم . ويقال : سكن إليه : مال ، ومنه السكن : فعل بمعنى مفعول .
مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
: أي بالأزواج ، بعد أن لم يكن سابقة تعارف يوجب التواد . وقال مجاهد والحسن وعكرمة : المودة : النكاح ، والرحمة : الولد ، كنى بذلك عنهما . وقيل : مودّة للشابة ، ورحمة للعجوز . وقيل : مودة للكبير ، ورحمة للصغير . وقيل : هما اشتباك الرحم . وقيل : المودة من اللّه ، والبغض من الشيطان .
وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ
: أي لغاتكم ، فمن اطلع على لغات رأى من اختلاف تراكيبها أو قوانينها ، مع اتحاد المدلول ، عجائب وغرائب في المفردات والمركبات . وعن وهب : أن الألسنة اثنان وسبعون لسانا ، في ولد حام سبعة عشر ، وفي ولد سام تسعة عشر ، وفي ولد يافث ستة وثلاثون . وقيل : المراد باللغات : الأصوات والنغم . وقال الزمخشري : الألسنة : اللذات وأجناس النطف وأشكاله . خالف عزّ وجل بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد ، ولا جهارة ، ولا حدة ، ولا رخاوة ، ولا فصاحة ، ولا لكنة ، ولا نظم ، ولا أسلوب ، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله . انتهى .
وَأَلْوانِكُمْ
: السواد والبياض وغيرهما ، والأنواع والضروب بتخطيط الصور ، ولولا ذلك الاختلاف ، لوقع الالتباس وتعطلت مصالح كثيرة من المعاملات وغيرها . وفيه آية بينة ، حيث فرعوا من أصل واحد ، وتباينوا في الأشكال على كثرتهم . وقرأ الجمهور :
لِلْعالِمِينَ
، بفتح اللام ، لأنها في نفسها آية منصوبة للعالم . وقرأ حفص وحماد بن شعيب عن أبي بكر ، وعلقمة عن عاصم ، ويونس عن أبي عمرو : بكسر اللام ، إذ المنتفع بها إنما هم أهل العلم ، كقوله :
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
« 2 » . والظاهر أن
بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ
متعلق ب
مَنامُكُمْ
، فامتن تعالى بذلك ، لأن النهار قد يقام فيه ، وخصوص من كان مشتغلا في حوائجه بالليل .
وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ
: أي فيهما ، أي في الليل والنهار معا ، لأن بعض الناس قد يبتغي الفعل بالليل ، كالمسافرين والحراس بالليل وغيرهم . وقال الزمخشري : هذا من باب اللف ، وترتيبه :
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ
، ولأنه فصل بين الفريقين الأولين بالقرينين الآخرين لأنهما زمانان ، والزمان
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / . ( 2 ) سورة العنكبوت : 29 / 43 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 382 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل