تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
كفرهم بما أعطاهم اللّه تعالى ، وتلذذهم بما متعوا به من عرض الدنيا ، بخلاف المؤمنين ، فإنهم إذا نجوا من مثل تلك الشدة ، كان ذلك جالب شكر اللّه تعالى ، وطاعة له مزدادة . وقيل : اللام في :
لِيَكْفُرُوا
،
وَلِيَتَمَتَّعُوا
، لام الأمر ، ويؤيده قراءة من سكن لام وليتمتعوا وهم : ابن كثير ، والأعمش ، وحمزة ، والكسائي ؛ وهذا الأمر على سبيل التهديد ، كقوله :
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
« 1 » . وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف جاز أن يأمر اللّه تعالى بالكفر ، وبأن يعمل العصاة ما شاءوا ، وهو ناه عن ذلك ومتوعد عليه ؟ قلت : هو مجاز عن الخذلان والتحلية ، وإن ذلك الأمر مسخط إلى غاية . انتهى . والتحلية والخذلان من ألفاظ المعتزلة . وقرأ ابن مسعود : فتمتعوا فسوف تعلمون ، بالتاء فيهما : أي قيل لهم تمتعوا فسوف تعلمون ، وكذا في مصحف أبيّ . وقرأ أبو العالية : فيتمتعوا ، بالياء ، مبنيا للمفعول . ومن قرأ : وليتمتعوا ، بسكون اللام ، وكان عنده اللام في : ليكفروا ، لام كي ، فالواو عاطفة كلاما على كلام ، لا عاطفة فعل على فعل . وحكى ابن عطية ، عن ابن مسعود : لسوف تعلمون ، باللام ، ثم ذكرهم تعالى بنعمه ، حيث أسكنهم بلدة أمنوا فيها ، لا يغزوهم أحد ولا يستلب منهم ، مع كونهم قليلي العدد ، قارين في مكان لا زرع فيه ، وهذه من أعظم النعمة التي كفروها ، وهي نعمة لا يقدر عليها إلا اللّه تعالى . وقرأ الجمهور :
يُؤْمِنُونَ
، و
يَكْفُرُونَ
، بالياء فيهما . وقرأ السلمي ، والحسن : بتاء الخطاب فيهما . وافتراؤهم الكذب : زعمهم أن للّه شريكا ، وتكذيبهم بالحق : كفرهم بالرسول والقرآن . وفي قوله :
لَمَّا جاءَهُ
: إشعار بأنهم لم يتوقفوا في تكذيبه وقت مجيء الحق لهم ، بخلاف العاقل ، فإنه إذا بلغه خبر ، نظر فيه وفكر حتى يبين له أصدق هو أم كذب . وأليس تقرير لمقامهم في جهنم كقوله : ألستم خير من ركب المطايا و
لِلْكافِرِينَ
من وضع الظاهر موضع المضمر : أي مثواهم .
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا
: أطلق المجاهدة ، ولم يقيدها بمتعلق ، ليتناول المجاهدة في النفس الأمّارة بالسوء والشيطان وأعداء الدين ، وما ورد من أقوال العلماء ، فالمقصود بها المثال . قال ابن عباس : جاهدوا أهواءهم في طاعة اللّه وشكر آلائه والصبر على بلائه .
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
: لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير ، كقوله :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
« 2 » . وقال السدي : جاهدوا فينا بالثبات على الإيمان ، لنهدينهم سبلنا إلى الجنة .
هامش
( 1 ) سورة فصلت : 41 / 40 . ( 2 ) سورة محمد : 47 / 17 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 367 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل